يخطئ خطأً جسيمًا كل من يفكر ويسعى لفصل الهم والواجب اليومي والحقوق اليومية للمواطن العربي، عن الحقوق القومية والانتماء الوطني للجماهير العربية في إسرائيل، صاحبة الجذور والامتداد التاريخي في باطن هذه الأرض، فالخطأ في التصويب يصبح وسيلة لتبرير الفعلة في الخروج من دائرة الالتزام الوطني والشعبي لمناصرة القضية الوطنية ومجمل القضايا التي تدور عليها وحولها أسس عملية السلام العادل والحقوق المشروعة والثابتة للشعب العربي الفلسطيني.
تمحور الحوار واشتد الجدل، في الانتخابات الأخيرة للسلطات المحلية والبلديات والتي أصبحت من ورائنا، حول أيهما الأحق وله الأولوية في الطرح والمعالجة اليومية والاهتمام، الهموم اليومية للمواطن والمساواة الكاملة في التطور والازدهار في شتى المجالات، أم ترسيخ الجذور الوطنية وتعزيز مكانة الانتماء الوطني والتفاعل مع القضايا الملحة الوطنية والثقافية والكفاحية، والدفاع عن كرامة ووجود وتفاعل الهوية السياسية والوطنية في تثبيت وتقوية جذور الصمود في ارض الآباء والأجداد كمواطنين في إسرائيل، بصفتنا جزءًا حيا وأصيلا من الشعب الفلسطيني، ولنا حقوق يومية لا يستطيع أي إنسان أو حكومة انتزاعها أو مصادرتها، مهما حاولت حكومات إسرائيل المتعاقبة وخلال الـ 65 عامًا من عمر النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني سنة 1948 والذين هم أي الحركة الصهيونية والحكام الجدد لهذه البلاد أوجدوها وتسببوا في المأساة وما زال الجرح الفلسطيني ينزف وينزف لغاية الآن بانتظار ان تتكلل جهوده والآخرين في استعادة وحدته الداخلية ومؤازرة قوى السلام والديمقراطية في إسرائيل ومنها نحن الجماهير العربية في إسرائيل بكل مؤسساتنا وهيئاتنا التمثيلية والشعبية والحزبية، ومؤازرة قوى السلام والعدالة والإنصاف في أوروبا والعالم اجمع.
لقد جاء هذا النقاش من إخوة لنا في الخندق الوطني، في عدد من الأماكن والقرى العربية في الجليل الغربي، وعلى خلفية تردي مجمل الأوضاع الخدماتية والتطويرية في عدد من قرانا، وتعود الأسباب إلى السياسة التمييزية المتبعة من قبل وزارة الداخلية والأجهزة والمؤسسات الحكومية ذات الشأن والعلاقة مع المواطن العربي، بغية إبقاء المواطن العربي خارج دائرة التطور والازدهار، وربط الخدمات واعطاء الحقوق اليومية ودمج العرب في المؤسسات الحكومية، بالواجبات التي على المواطن العربي ان يقدمها للدولة كالخدمة المدنية والعسكرية وما شابه. ثم وصول قيادات فاسدة ومفسدة سياسيًا وإداريا إلى بعض المجالس المحلية، إذ لا تعمل ولا تقدم الحد الأدنى من الخدمات وتعثر مسيرة التطوير والبناء والازدهار واستشراس العنف والجريمة والبطالة والفقر بين أوساط الشباب، نتيجة لسوء الإدارة التي مر عليها أكثر من دورتين إلى ثلاث وأكثر.
بعض الاخوة ممن هم في الصف الوطني، تعاني قراهم العديد من النواقص والإهمال وانحسار عملية التطور والازدهار، يرون من وجهة نظرهم بان حق الأولوية والاهتمام يجب ان يكون للقضايا اليومية ومعالجة المشاكل التي يعاني منها المواطن كالتعليم والصحة والبناء ومناطق النفوذ والبنى التحتية، وان لا تكون القضايا الوطنية والمواقف السياسية تجاه سياسة الاضطهاد والتمييز وصيانة الهوية والانتماء على حساب تدني مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين من قبل الإدارة البلدية هنا وهناك.
من الواضح ان المسار البلدي والوطني يجب ان يبدأ معا وبشكل مشترك ومتساوٍ ومتوازٍ في خدمة المواطن، وأي تقصير أو تأخير من الممكن ان يؤدي بالمواطن العادي إلى فقدان الثقة والبحث عن حلول لمشاكله يدفعه إلى مستنقع الاستجداء على أعتاب السلطة ووكلائها الزاحفين على بطونهم من اجل الفوز بمنصب أو وظيفة مقابل تقديم خدمات مشبوهة تعيق القضية الوطنية وتفسد الكرامة وتفتت الوحدة الداخلية، مما يخدم أصوات سياسة الاضطهاد والتمييز.
أما المسار البلدي الخدماتي والمشروع الوطني فيجب النهوض بهما بشكل جماعي، وهذا يتوقف إلى حد كبير على طبيعة ونوعية القيادة والإدارة سواء في داخل السلطة المحلية أو البلدية، أو رفع شأن تسييس الشارع وزيادة حجم الوعي والإدراك بان مستوى الخدمات وتحقيقها مرتبط بزيادة الوعي الوطني والحفاظ على المشروع الوطني بكيفية إيصال قيادات وطنية مسؤولة أمام طلبات الجماهير السياسية والوطنية وتجنيدها للمطالبة بحقوقها اليومية. ان انتخاب وإيصال قيادة مهنية وعصرية يجب ان يكون أساسها الانتماء الوطني للشعب والجماهير، تحزبه للهم اليومي والقومي في جعل السلطة المحلية ورشة للعمل الجماعي في البحث عن أفضل السبل للنهوض بالقرية إلى أعلى سلم التطور والازدهار بخلق العقل المتفتح سياسيًا وإداريا وأكاديميا ووطنيا وشعبيا ومجاراة روح العصر ومتطلباته بما يتلاءم مع متطلبات القرية العصرية. لقد اسمينا المعركة السياسية الانتخابية والتنافس الحر والديمقراطي للرئاسة والعضوية، بأنها معركة كرامة وطنية وخدمات وتطور وازدهار متعدد الجوانب يناسب الحجم العددي والوزن النوعي للجماهير العربية في إسرائيل في مرحلة عصر التطور والتجديد والانفتاح بما يناسب روح العصر الحديث.
أحيانا وفي غمرة اشتداد وتيرة التمييز والاضطهاد تجاه جماهيرنا، تجد أفرادا وفئات متشنجة ومتهادنة إلى حد كبير في القضية الوطنية، إلى حد تقديم تنازلات لسياسة الاضطهاد والتمييز القومي، مقابل الحصول على بعض الفتات المالي لدفع عملية التطور إلى مرحلة متقدمة. وهذا ما تريده وتبحث عنه السلطة بأذرعها المختلفة ليس لتطوير القرية والمواطن العربي، وإنما لإبقاء المواطن العربي ضمن سياسة التبعية في فلك سياسة الاضطهاد والحرمان بإفساد الشيء من داخله يسهل عليها ضربه ومحاصرته وإعادة استعماله بما يخدم مصالحها التآمرية في حمل المواطنين العرب على تفريغ البلاد من أهلها الأصليين وهذا ما تطمع به الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل اليوم.
ما نريد ان نؤكده بان المطالبة بحقوقنا اليومية الحياتية والقومية الوطنية نابعة من اننا جزء لا يتجزأ من هذا الوطن وهذه الأرض التي نحن منها وهي منا، وأي عملية فصل بين اليومي والواجب الوطني هي عملية لا يمكن ان تتم ولن يكتب لها النجاح، ان هاتين القضيتين هما جوهر استمرارنا وأساس كفاحنا من اجل الوصول إلى مجتمع ينعدم فيه التمييز والاضطهاد وتصان فيه حقوق الفرد والأقلية داخل مجتمع الأغلبية.
إن سياسة الحكومة القائمة على الاضطهاد والتمييز ضد مواطنيها العرب، هي سياسة قائمة على سلطة الاستغلال والسلب والنهب تجاه شعب الأقلية بعدما شردوه عن وطنه، وما على شعب الأقلية أي الجزء الحي والنشيط من الشعب الفلسطيني الراسخ في أرضه ووطنه، ان يفشل مخططات سياسة حكام إسرائيل والحركة الصهيونية بالمزيد من التلاحم وصيانة الوحدة الداخلية والتصدي للمخططات الجديدة والتي لا تنتهي، وان لا تنازل لا من الجيل القديم ولا من الجيل الحالي وبالتأكيد ان الجيل الآتي من بعدنا ليس سيكمل الطريق فقط، إنما من الصعب على أصحاب هذه السياسة تمرير ما لا يمكن ان يقبل به الجيل القادم، لأنه جيل يستمد قوته واستمراريته من أولئك الذين سطروا أروع الصفحات الخالدة في مسيرة ذلك الجزء المكمل من الشعب الفلسطيني الباقي في وطنه.
(كويكات/أبوسنان)
