استصعب اليوم ان اتحدث عن داود في حالة الماضي. منذ لقائنا الاول انذاك قبل 40 عاما في مكتبته اصبح داود جزءًا لا يتجزأ من حياتي. وكان داود من حفظ الماضي المشترك لنا عندما واصلت انا مسيرتي باتجاهات اخرى. لقاؤنا بدأ عندما قمنا بتنظيم المنظمة السرية التي شكلناها مع رفاق اخرين المتواجدين هنا معنا.
واستمرت في مكوثنا المشترك في غرفة رقم 16 في سجن الرملة وفي الزيارات الدورية لدار داود في حيفا مساء كل يوم الجمعة برفقة زميلنا المشترك من ايام "ماتسبين" عكيفا اور.
لقد كانت بيننا خلافات بالراي ونقاشات عديدة خلال السنوات. فداود ينتمي الى جيل اخر – جيل القوميين العرب الذي لم يقبل حتى نهاية حياته التقسيم والنكبة وواصل التزامه المطلق في وحدة القومية العربية "من المحيط الى الخليج".
في المقابل لم ار كماركسي الهوية القومية بهذه الاهمية وكنت دائما ارى بالعدالة والمساواة السياسية والاجتماعية الامر الاهم. لكن ورغم الخلافات كان بيننا دائما انسجام بخصوص الامور الهامة ووجدنا النقاط التي تهمنا سوية.
مع مرور السنين اصبحت اكثر تفهما وتقديرا للحماس الفكري والتزام داود بالمثل العليا وتفاؤله الابدي بالمستقبل. هذه الصفات هي التي منحته القوة كي يتغلب على فترتين صعبتين في حياته: فترة السجن الطويلة وفترة حياته الاخيرة عندما جعله المرض مغلقا في دار دون القدرة على الخروج الى العالم. رغم عزلته الكبيرة في هذه الفترة لم يفقد داود حماسه النضالي وامله بان تتغير الامور في الشرق الاوسط والعالم عامة.
خلال فترة مرضه عندما كنا نزوره مساء ايام الجمعة – انا وزميلي عكيفا – لم يشك داود حول حالته الصحية وكان مصرا على ان يكون الحديث حول القضايا السياسية والتاريخية والادبية الكبرى. جسمه كان ضعيفا وكان داود مكبلا في كرسيه دون القدرة على التحرك، لكن راسه وافكاره كانت مربوطة بالتطورات السياسية.
كنت دائمًا اكنّ تقديرا عاليا لموقف داود ازاء ابناء الشعب الاسرائيلي العاديين الذين اعتبرهم داود بشرا مثله وتعامل معهم بروح المساواة. وكان داود يروي لنا حول علاقاته الوثيقة برفاق اسرائيليين من عهد الانتداب البريطاني ومن الحزب الشيوعي ووجد معهم لغة مشتركة وتفهم. المفارقة هي ان معرفة داود العميقة لللغتين – العربية والعبرية – منحته الامكانية لايجاد الاساس المشترك للثقافتين والحضارتين.
من كل ذلك بقيت اليوم فقط الذكريات الجيدة من المعرفة الطويلة مع داود – وتبقى هذه الذكريات معي لسنوات طويلة.
