الأزمة الإقتصادية مستمرة... وتوازنات العالم تتغيّر(2)

single

ليس صدفة أن يكون الرئيس الأميركي الجديد، باراك أوباما، أكثر تواضعاً في تعامله مع دول العالم المختلفة، الى حد الإنحناء أمام إمبراطور اليابان أو ملك السعودية، أو الوقوف في الصف الثاني أمام آلات التصوير في بعض القمم العالمية أو الإقليمية، وهي سلوكيات لقيت، بالطبع، انتقادات واسعة من قبل رموز ووسائل إعلام اليمين التقليدي في الولايات المتحدة. لكنها سلوكيات لا يمكن تفسيرها فقط بالسمات الشخصية المختلفة لباراك أوباما عن سلفه: فالولايات المتحدة اليوم بحاجة لدول العالم الأخرى للخروج من أزمتها وتجاوز مشاكلها الإقتصادية العميقة. أما قوتها العسكرية الكونية، التي لا زالت، وبمسافة كبيرة، في المرتبة الأولى في العالم، فلا يمكنها أن تعوض عن هشاشة وضعها الإقتصادي، الذي لم يعد يسمح لها بتكرار المغامرات العسكرية التي كان اليمين يحلم بها منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، لفرض السيطرة الأميركية شبه الكاملة على مناطق العالم المختلفة، وخاصة على مناطق الموارد الطبيعية ذات الطابع الإستراتيجي، وفي المقدمة مصادر الطاقة.
وذلك لا يعني أن التغير في سلوك القيادات الأميركية هو تغيّر نهائي، وأن اليمين الأميركي قد سلّم بهزيمة نهائية له في قيادة البلد، وفي محاولة فرض هيمنته العالمية، كما ظهر من ردات فعل بعض رموزه على خطاب أوباما حول "حالة الإتحاد". ولكن أي عاقل في الولايات المتحدة، أو غيرها من دول العالم، لم يعد يستطيع أن يتجاهل أن موازين القوى في العالم تتغير، وانه لم يعد ممكناً أن تُحتسب فقط إنطلاقاً من الموازين العسكرية البحتة وحدها، وأن دولاً ومناطق جغرافية أخرى مرشحة للعب دور متزايد التأثير في السياسة العالمية، بدءً بالصين طبعاً، ومروراً بالهند وروسيا والبرازيل، وتجمعات إقليمية أخرى يمكن أن تتبلور في السنوات القادمة.
وفي هذا السياق، كان في منطق الأشياء أن يكون رئيس الحكومة الجديدة التي تشكلت في اليابان، إثر تفوق حزبه الديمقراطي، الأقرب الى الوسط سياسياً، في انتخابات أواخر آب/أغسطس الماضي وإطاحته بالحزب الليبرالي، اليميني، الحاكم منذ أواسط الخمسينيات الماضية، من دعاة تشكّل تجمع إقتصادي آسيوي يضم اليابان والصين وغيرهما من بلدان المنطقة. وهي دعوة لا تلقى، بالطبع، ترحيباً في واشنطن، التي كانت تتعامل منذ العام 1945 مع اليابان، الدولة المهزومة في الحرب العالمية الثانية، باعتبارها منطقة نفوذ أميركية حصرية.
وبإمكاننا أن نضيف الى الصورة أيضاً، ولأسباب ومعطيات داخلية مختلفة، ذلك الهامش المتزايد من الإستقلالية في سلوك بلد قريب من منطقتنا العربية مثل تركيا، وهي قوة إقتصادية متوسطة الحجم، حيث تأتي في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً من حيث حجم اقتصادها. فتركيا كانت طوال فترة "الحرب الباردة" قاعدة مضمونة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وحليفاً وثيقاً لإسرائيل، بينما شهدت السنوات القليلة الماضية، وحتى منذ ما قبل الأزمة الإقتصادية، وبفعل تحولات داخلية في الرأي العام وفي المشهد السياسي التركي، مزيداً من التوجه للتقارب مع المحيط العربي والإقليمي المشرقي والأورو-آسيوي وانتهاج سياسة أكثر انسجاماً مع هذا الخيار الجديد. وهو ما تجلى منذ ما قبل الغزو الأميركي – البريطاني للعراق، حين رفضت الحكومة التركية السماح للقوات الأميركية بالإنطلاق من أراضيها.

 

عالم ما بعد 2008... المستقبل مفتوح على احتمالات عدة


ولا شك أن الصورة الجديدة للوضع العالمي قد تأخذ بعض الوقت حتى تتبلور، وحتى تظهر معالم ومعطيات هذا العالم الجديد، عالم ما بعد هذه الأزمة الإقتصادية الكبرى، عالم ما بعد 2008. وهذا العالم الجديد سيكون، بالضرورة، عالماً مختلفاً عن ذلك الذي تصوَّره بعض منظّري سيادة "الرأسمالية الليبرالية" و"نهاية التاريخ" في مطلع التسعينيات الماضية. وسيكون، بالتأكيد، مختلفاً عن العالم الذي حاول جورج بوش وفريقه من "المحافظين الجدد" والمحافظين الأقدم تثبيت دعائمه، والإسراع في فرض سيطرة واشنطن الكونية واستباق صعود قوى جديدة منافسة على المستوى العالمي، كما أوصى بذلك، في وثيقة شهيرة تسربت الى وسائل الإعلام في حينه، بول وولفوويتز، الذي كان أحد مساعدي وزير الدفاع الأميركي في العام 1992، والذي أصبح نائباً لوزير الدفاع خلال الولاية الأولى لجورج بوش الإبن، وكان، بالطبع، أحد كبار الداعين والمندفعين لغزو العراق، كمدخل للسيطرة على مناطق الثروات الطبيعية في العالم، واحتواء نمو القوى العالمية الصاعدة.
وبما ان الصين ستحتاج الى فترة من الزمن، ربما عقدين، ليتجاوز حجم اقتصادها حجم اقتصاد الولايات المتحدة، فهي لا تسعى الآن الى تحميل نفسها عبء دور كوني منافس للولايات المتحدة، على غرار دور الإتحاد السوفييتي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى تفككه. وفي كل الأحوال، فهي لا تسعى الى تكرار التجربة السوفييتية على الصعيد العالمي، وهي، بالتأكيد، افترقت عنها كثيراً في مجال السياسات الإقتصادية.
ولكنها تعمل بهدوء وبدون صخب على تدعيم قوتها العسكرية، على أرضية تطور وضعها الإقتصادي، والأهم تلك "القوة الناعمة" التي تجعل نفوذها الإقتصادي، وبالتالي السياسي، يتمدد، أولاً في محيطها الجغرافي الآسيوي، ومن ثمّ في قارات ومناطق أخرى في أنحاء العالم، بما في ذلك في القارة الإفريقية وفي أميركا اللاتينية، لتأمين المواد الأولية والموارد الطبيعية التي تحتاج صناعاتها لها، كما لفتح أسواق جديدة لبضائعها المتزايدة الكم والمتطورة النوع، ولاستثماراتها المتزايدة لتصريف الكم الهائل من الدولارات التي تجمعت لديها، قبل أن تؤثر أزمة الإقتصاد الأميركي على قيمة هذه العملة. والصين تتصرف على أساس أن الطريق أمامها لا زال طويلاً: وبعض المراقبين المهتمين يرون في هذا الموقف امتداداً لتلك الحكمة الصينية والشرق- آسيوية القديمة، وذلك التواضع الذي يلمسه الإنسان في أكثر من بلد من بلدان تلك المنطقة الصاعدة على المسرح العالمي.
والمهم، بالنسبة للصين في المرحلة الحالية، هو المساهمة، مع دول صاعدة أخرى في الإقتصاد العالمي، في لعب دور في صياغة وبلورة علاقات دولية جديدة قائمة على توازن فعلي للمصالح، وليس على أساس القوة والغطرسة العسكرية، التي كان اليمين الأميركي يعتبرها مدخله للسيطرة على العالم. ومن الواضح الآن أن هذا اليمين قد فشل في ذلك، على الأقل في الصيغة الإمبراطورية التي كان يتصورها في مطلع التسعينيات. وعلى القوى الصاعدة أن تلعب الدور المطلوب في المساهمة في رسم ملامح العالم الجديد.
***
ويرى الإقتصادي والمحلل الإستراتيجي اليساري المصري، المعروف عالمياً، سمير أمين، أن الأزمة الحالية للإقتصاد الرأسمالي العالمي هي أزمة بنيوية، وعلاجها الجذري لن يكون إلا من خلال تجاوز النظام، وانه حتى ولو جرى بعض التحسن في الوضع الإقتصادي الرأسمالي من خلال إجراءات الدعم المالي المتبعة من قبل الحكومات المختلفة، فإن الأزمة لن تلبث أن تعود بأشكال جديدة في السنوات القادمة. وقد أوضح سمير أمين وجهة نظره في كتاب صدر له في النصف الأول من العام 2009 تحت عنوان "خروج الرأسمالية من أزمتها، أم الخروج من الرأسمالية المأزومة".
وكان سمير أمين قد دعا قبل فترة من الزمن الى تشكيل "أممية خامسة" لتجميع جهود قوى اليسار المناهض للرأسمالية في العالم. وحمل كتاب له صدر في العام 2006 عنواناً بهذا المعنى "في سبيل الأممية الخامسة". وهي دعوة تبناها مؤخراً رئيس فنزويلا أوغو تشافيس، الذي ينوي تنظيم اجتماع أول لوضع أسس هذا التجمع الأممي الجديد، وذلك في نيسان/أبريل القادم في العاصمة الفنزويلية كاراكاس. ومن المشروع تماماً أن يجري التفكير بتسمية أخرى لهذه الأممية الجديدة منعاً لأي التباس أو أية حساسيات تاريخية، حيث ان اليسار العالمي المناهض للرأسمالية بغنى عنها بعد كل ما حدث في القرن الماضي، بحيث تسمى مثلاً "أممية القرن الحادي والعشرين"، أو أية تسمية أخرى مناسبة.
ويرى سمير أمين ان عملية التحول الإشتراكي، خلافاً للتصورات التي كانت سائدة خلال القرن العشرين، لن تكون ناجمة عن ثورات جامحة تُجري نقلة سريعة، بين ليلة وضحاها، من النظام الرأسمالي الى النظام الآخر البديل، الإشتراكية، وإنما عن عملية تحلل وتضعضع طويلة نسبياً للنظام الرأسمالي، تفتح المجال أمام عملية إنتقال، مديدة الى حد ما، نحو اشتراكية كونية. وهو هنا يتمايز، طبعاً، عن تلك التصورات التي كانت، في مطلع القرن العشرين، تتوقع أن تتحقق نهاية النظام الرأسمالي في زمن قريب، ويتم بناء المجتمع الإشتراكي على أنقاضه في ظرف سنوات أو عقود قليلة. وهو ما أثبتت تطورات القرن الماضي أنه كان تصوراً بعيداً عن الواقع، ويتضمن قدراً كبيراً من "الإرادوية" وإحلال التمنيات مكان الوقائع المادية.
ولكن، في الأمد القريب، من الواضح اننا أمام إعادة رسم لخارطة التوازنات العالمية، بحيث يتراجع، الى حد معين وبشكل نسبي، موقع ونفوذ الولايات المتحدة، وعلى الأغلب أيضاً مركزية عملتها، الدولار، التي احتلت عملياً مكانة العملة الدولية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهو أمر سلّم به بشكل صريح، كما رأينا أعلاه، مسؤولون أميركيون كبار مثل رئيس البنك الدولي روبيرت زوليك.
يبقى أن نرى كيف يمكن أن تدفع هذه التوازنات العالمية الجديدة نحو الحد من تدهور الأوضاع المعيشية لقطاعات واسعة من سكان الكرة الأرضية، وتساهم في بلورة نظام عالمي جديد يتجه الى توزيع أكثر عدالة للثروة العالمية، التي تكفي، لو تم تجاوز سوء التوزيع الراهن، لتغطية احتياجات البشرية كلها. وهو ما شدّد عليه العالم الإجتماعي والناشط السياسي السويسري التقدمي جان زيغلر، النائب المعارض السابق في برلمان بلاده والعضو الحالي في اللجنة الإستشارية لمجلس حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة، حين أعاد التذكير بتقديرات المنظمة الدولية للغذاء والزراعة "فاو" بكون الإنتاج الزراعي الحالي في العالم يكفي، من حيث الكم، لتوفير الغذاء لـ 12 مليار إنسان، أي لضعف عدد سكان الكرة الأرضية الحالي تقريباً. كما دعا زيغلر، في تصريحات له في أواخر العام المنصرم، الى تقديم أصحاب المؤسسات المالية العالمية المسؤولين عن انفجار الأزمة المالية الى المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكون الأموال التي اكتسبوها أو قادوا الى تبديدها، أو تلك التي يتم توفيرها من الحكومات في ما بعد اندلاع الأزمة لدعم مصارفهم ومؤسساتهم المالية وإنقاذها من الإنهيار، تمت سرقتها، وفق تعبيره، من أفواه الجياع في العالم الذين يموتون بأعداد متزايدة بسبب تفاقم الفقر في مناخ الأزمة الإقتصادية.
وهكذا، يبقى التطلع نحو بناء مجتمع عالمي أكثر عدالة وإنسانية طموحاً مشروعاً، وإن كان تحقيقه يتطلب نفَساً طويلاً وعملاً دؤوباً مشتركاً بين كل من يعتقد أن الظلم والإستغلال والفاقة ليست قدراً، وأن فشل محاولات سابقة، بمعزل عن عوامل قوتها وضعفها وتناقضاتها، لا يعني التسليم بالواقع القائم وبهذا النظام الإقتصادي والسياسي العالمي الجائر الذي يحكم على قسم كبير من البشرية بالموت جوعاً أو قهراً أو تحت قذائف ورصاص المدافعين عن هذا النظام وجيوشه الغازية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاستعمار الجديد

featured

محاولة جديدة للدفع بقانون أحوال شخصية رجعي في العراق

featured

من عكا لأمريكا

featured

حل عقلاني لمشكلة مزمنة!

featured

كهرباء القدس: إسرائيل والسرقات سبب تقنين التيار

featured

ليس دفاعًا عن صوت اسرائيل وعن القناة الاولى التلفزيونية، بل دفاعًا عما تبقى من الحريات الدمقراطية

featured

الارهابيون المتأسلمون.. وسياسة المتاجرة بالدين!

featured

القرار 1850: هدية بوش الوداعية للاحتلال الاسرائيلي