تتشدق اسرائيل بانها واحة "الدمقراطية" في الصحراء الدكتاتورية في الشرق الاوسط. وليست اسرائيل وحدها تتباهى بهذه الكذبة الكبرى، بل امريكا سيدة نعمة اسرائيل منذ قيامها حتى اليوم.
كذلك الدول الاوروبية الغربية، والاصح دول اوروبا الاستعمارية سابقا، فتتفاخر "بالدمقراطية" الاسرائيلية وتدعمها ماديا ومعنويا.
الحقيقية ان "الدمقراطية" الاسرائيلية البرجوازية، كانت وما زالت تخدم المصلحة الطبقية، مصلحة الطبقات الحاكمة. وفي نفس الوقت تخدم الاستراتيجية الاسرائيلية بتجميع يهود العالم في "ارض الميعاد". من خلال اظهار اسرائيل، دولة "دمقراطية"، بعيدة عن التمييز العنصري، وعن الاضطهاد القومي الخ...
والحقيقة ان اسرائيل نجحت بذلك لفترة ليست قصيرة، فقد استطاعت اسرائيل تضليل بعض حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
الا ان الاحتلال الاسرائيلي للاراضي المصرية، والسورية، ولما تبقى من فلسطين اظهر اسرائيل على حقيقتها، دولة عدوان وتوسع. ولا يمكنها ان تكون دولة دمقراطية حقيقية.
تعامل اسرائيل مع الاقلية العربية الفلسطينية، التي لم تستطع سياسة التطهير العرقي اقتلاعها من وطنها الذي لا وطن لها سواه، منذ قيام اسرائيل وحتى اليوم، اثبت ان اسرائيل دولة برجوازية عنصرية، تميز وتضطهد السكان الاصليين بشتى الطرق والاساليب "الدمقراطية" جدا جدا...
حتى وثيقة الاستقلال التي تتفاخر بها اسرائيل، غير مطبقة على ارض الواقع، الا فيما يخص بالقوانين التي تساعد على جلب المهاجرين اليهود للبلاد. اما الفقرة التي تتحدث عن المساواة، وبغض النظر عن اللون، الجنس، القومية والدين، فبقيت حبرا على ورق، ووسيلة لاستدرار عطف العالم لدولة اسرائيل الفتية...
الا ان "الدمقراطية" الاسرائيلية ووسائل الاعلام الرسمية لم تسلم من الانقسام الطبقي في المجتمع الاسرائيلي ولم تسلم من السياسة النيوليبرالية على الطراز الامريكي ولم تسلم من الخصخصة البغيضة.
في القرين العشرين الماضي، كان في اسرائيل العديد من الصحف اليومية، الحزبية والخاصة، في اللغتين العبرية والعربية. ورويدا، رويدا، تلاشت هذه الجرائد اليومية مثل"عل همشمار"،"دافار"،"حيروت"، "كول هعام"، وجريدتي "اليوم" و"الانباء" باللغة العربية وبقيت ثلاث جرائد اساسية يومية باللغة العبرية يديعوت احرونوت، معاريف، هآرتس وجروزليم بوست بالانجليزية، وجريدة الاتحاد اليومية باللغة العربية، التي بدأت تصدر يوميا في ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم.
منذ قيام اسرائيل، كانت الاذاعة بالعبرية، وباللغات الاخرى، ومن ثم البرامج التلفزيونية تابعة لمصلحة البث والاعلام الرسمية، التي تمول من قبل الحكومة، ومن ضريبة البث الملقاة على كاهل المواطنين.
وكالمعتاد الصحافة الخاصة، والعامة، الاذاعة والتلفزيون، كانت مع الاجماع القومي الوطني في القضايا الاساسية المفصلية، ايام الازمات والتوتر على الحدود، ايام العدوان والحروب الاسرائيلية، وفي تعاملها مع الجماهير العربية، منذ ايام الحكم العسكري، حتى يومنا هذا مع اختلافات غير جوهرية طفيفة.
الا ان الخصخصة لم تقفز عن الاعلام، وبالذات البث المسموع والمرئي. وقد اعطي تصريح لايجاد قناة تلفزيون، ثانية، تجارية، ومن ثم وُوفق على اقامة القناة العاشرة التجارية.
وبالاضافة لراديو اسرائيل باللغات المختلفة، والمحطات المختلفة أ. ب. ج وغيرها اقيمت محطات البث بالراديو المنطقية. ما ميز محطات البث بالراديو، ان قسما كبيرا منها، كان للدعاية الرسمية الحكومية، تعمل حسب ارشادات المخابرات والوكالة اليهودية.
ألبث الموجه للعالم العربي بلهجاته المختلفة، كان يُدار، حسب تعليمات المخابرات الاسرائيلية. والبث باللغات الاجنبية كان بالتنسيق وبإرشاد الوكالة أليهودية.
ألبث من دار الاذاعة(والاصح دار الاشاعة) الاسرائيلية باللغة العربية كان هدفه ابراز اسرائيل دولة"دمقراطية" متطورة، تريد السلام، امام العالم العربي الدكتاتوري، المتخلف الذي لا يريد السلام. ويريد القضاء على دولة اسرائيل المسكينة!!!
ايام العدوان والحروب الاسرائيلية كانت الاذاعة الاسرائيلية باللغة العربية تظهر على حقيقتها بوقا بيد الحرب والعدوان. من من الا يذكر النداءات الصادرة من هذه الاذاعة للمقاتلين الفلسطينيين ايام اجتياح لبنان مثل:
هنا دار الاذاعة الاسرائيلية. ايها المخرب قف. وفكر. الق سلاحك. سلم نفسك لافراد جيش الدفاع الاسرائيلي الخ...
منذ صعود الليكود واحزاب اليمين للحكم عام 1977 وضع لنفسه هدفا، بإضعاف ومن ثم القضاءعلى مصلحة الاذاعة والنشر، المسموعة والمرئية. بالرغم من انها تُمول من الضريبة التي يدفعها المواطنون. كل هذا تمشيا مع سياسة الخصخصة التي ترعرعت وازدهرت في فترة رئاسة نتنياهو الاولى للحكومة، او ابان توليه لوزارة المالية في اواخر سنوات التسعين الماضية ومطلع سنوات القرن الحالي. منذ اسابيع والعاملون في مصلحة الاذاعة والتلفزيون الرسمية يقومون بنضالات واجراءات من اجل الحفاظ على وجود وبقاء مصلحة الاذاعة والتلفزيون الرسمية، اسوة بباقي الدول الاوروبية وعلى رأسها بريطانيا. اما ديوان رئيس الحكومة، المسيطر على مصلحة الاذاعة والتفزيون، فيقوم بحملة تضليل جهنمية من اجل القضاء على مصلحة الاذاعة والتلفزيون الرسمية، وذلك رضوخا لكبار الرأسماليين الذين يسيطرون على الاعلام والنشر والبث المرئي والمسموع والمكتوب.
عندما انتج الصحفي الجريء المخضرم ميكي روزنطال فيلمه الشهير"شيطةْ هسلاما" لم توافق اية محطة تلفزة خاصة على بثه خوفا من الاخوة عوفر الذين يعتبرون من اكبر الاغنياء المسيطرين على البتروكيماويات، وعلى شركة النقل البحري "تسيم" وغيرها.
فقط قناة التلفزيون الاولى قامت بذلك، بوصفها قناة رسمية ممولة من قبل دافع الضريبة.
الآن تدور معركة جدية بين الحكومة اليمينية المتطرفة برئاسة بيبي نتنياهو والاشخاص الدمقراطيين النيرين الذين يريدون الحفاظ على مصلحة البث، الراديو والتلفزيون على علاتهما والذين يريدون خصخصة كل شيء حتى المدارس والسجون.
ألدمقراطية لا تتجزأ والدفاع عنها واجب كل انسان دمقراطي نير، لولا ذلك لطالبنا باغلاق محطة صوت اسرائيل من "اورشليم القدس" كجزء من القضاء على مصلحة البث الاذاعي والتلفزيوني.
لي صديق يصوم شهر رمضان الا انه دائما افتى بان سماع القرآن الكريم من صت اسرائيل باللغة العربية غير مرغوب به لا بل حرام.
رغم ذلك تبقى المعركة ليست دفاعا عن مضمون البث الرسمي بل ضد الخصخصة ودفاعا عما تبقى من الدمقراطية البرجوازية، لان البديل اسوأ بكثير. فالانزلاق نحو الفاشية وبخطى سريعة جدا مخيف جدا.
(ام الفحم)
