ولو سُئلت حينها: "هيّا إلى الدنيا الـمجيء"

single

وبدأت الحكاية...
نولد على كفوف الرّاحة محمولين، نستقطب العيون وتلفّنا أنظار الـمعجبين، الطّفلُ تبسّمَ وضَحكَ، تنهّد وتأوّه، وبالـمناغاة تجمّلَ، بأبأَ وتكلّم. وفي كلّ خطوة يـخطوها، يقف بجنبه أحنّ الـمقرّبين، تصفيق وتشجيع، والقبلة تطبع على الخدّ مع كلّ همسة ورَدّ.
الحديث يطول عمّا يجري، آلات التسجيل السّمعية والبصرية تُوَثّق في الأفق حكاياته اليومية. يجرون خلفه كالحراس، ويتبعونه إلى كلّ مكان وما أروع لحظة الدّخول للحضانة والبستان، يكبر ويحمل الحقيبة – يا سلام - هل هذا سحر أهو يخترق عالم الأحلام، دنيا العجائب الفتان، أسيحلّق كنسر في السّماء ويشدو آيات الحب وأعذب الأنغام.
الآمال تنهال والتّوقعات تتهافت، وإذا خابت الظّنون واحتكّ بالفشل، انكشفت الأمور وكشّرت الدنيا عن أنيابـها. ماذا يريدون؟ لِم يتوجّب عليّ السيّر فوق خطوط رسمها وحدّدها أناس عظام؟ ألا يعلمون؟ لا أراه عظيما للذي يكترثون؟
الطّلبات تكثر والواجب يزيد، مسؤوليات تكبر حتى بأيام العيد السّعيد، أحمال تلقى على الأكتاف وتكاد تقطع الأنفاس. وكلما أنهينا الـمطلوب وقلنا ارتحنا، تتنهد الراحة ولا تدعُنا فاليوم جديد والعمل متجدّد. الطّموح يتدفّق ويجرفنا في تيارات هوائية، لذّة النجاح ترفعنا وتحلّق بنا كالطيور الـمغرّدة، والأمل بنوره الأبيض يحتفل مع زهرات اللوز النديّة، وتـملُّك الدنيا بـما فيها يسيطر على العقول، يا هذا، إنه عالم مسحور.
حياتك كحلم مديد في نوم عميق، لا تستفيق منه إلا عند قرع الطبول الـمفزعة: "توقّف! انتهى الطّريق، لا عودة، لا يحقّ لك البقاء". وبأمر: "اُرقُد بلا حراك. صفر اليدين، قد انتهى وقتك فَدَع الـمسرح لغيرك". ونطيع عَنْوة ولَوعة الفراق تلسعنا رغم كلّ الشوك الذي وخزنا، تحرقنا الأشواق وحنين الجلسات، الأهل والجار وحتى لـلمس حجر الدار.
وانتهت الحكاية...
كالبداية محمّل على كفوف الراحة الأبدية حيث لا همّ ولا آلام بشرية ولأول مرة تتحرر من قيود الدنيا والجراح، لكنها ليست كالبداية، دخلناها نبكي والجميع تغمرهم الفرحة، وخرجنا منها بصمت رهيب والجميع ينوحون، يصرخون ويتساءلون، ماذا، لماذا، أيعقل هذا وانقلبت الأدوار.
ما هذا الـمسير في دنيا تجعل الكلّ أسيرا؟! دروبها زائلة عسيرة محددّة النهاية. وما الحكمة في كل هذا؟ هل الموضوع استمرار للبشرية وحتما فيها تصبح يوما منسيّا. وكأنك لم تكن فيها، وما داست قدمك ترابها يوما، وما لامس خدك نسيمها. أم جئنا لنلعب الأدوار، فنانون يقفون على خشبة مسرح الدنيا، ينفذون أدوارهم بإحكام ونرفع رايات الاستسلام فهي الأقدار.
ولو سُئلت حينها: "هيّا إلى الدنيا المجيء".
 قلت: "وما النهاية؟ وعرفتها"، لرفضت بقوة وإصرار، لا أرضى أن أدوسها حتى لو فُرشت بالورد والأقحوان وملأوها بكنوز الأزمان، وفي قلبي كل الحب لناسها وأهلها الكرام.
نقول ونقول لم كثرة الكلام وطرح أسئلة لن تجديَ ونقطعها بالرّد، هي أسرار إلهية يعرفها ربّ البشرية، خالق الدنيا العظيم الجبار العليم.
(عبلين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عدوان همجي على جامعة وجامعيين

featured

لا تلوموا الضحية!

featured

بيبي نتنياهو دون كيشوت العصر

featured

لذكرى وفاة الرفيقة روت لوبيتش

featured

الشعوب ضحيّة النفاق والتضليل

featured

قلبي عليك يا وطن!