الدولة الوطنية .. ما قبل وما بعد

single

صحيح أن الدول الوطنية العربية التي تشكلت بعد نيل الاستقلالات، وفي غمرة انحسار الاستعمار في صورته التقليدية في العالم النامي كانت محل نقد من الاتجاهات القومية في العالم العربي التي كانت تتطلع إلى دولة عربية واحدة، تؤسس للدولة - الأمة على الطراز الأوروبي، حيث نشأت دول قوية كألمانيا وإيطاليا نتيجة تجميع المفرق أو المجزئ من الناطقين بلغة واحدة ولهم إرث تاريخي وثقافي مشترك.
لكن في الإجمال نظر إلى مجموعة الدول العربية الوطنية كخطوة مهمة إلى الأمام في مجال بناء مجتمعات ناهضة وتأسيس إدارات حديثة تؤمن لشعوبها حياة أفضل، وتضمن لها ما تستحقه من خدمات.
ينطبق هذا على الدول التي تشكلت نتيجة خطة سايكس-بيكو لتوزيع الغنيمة بين فرنسا وبريطانيا، أو نتيجة انتزاع كيانات حافظت على وحدتها وانسجامها مثل المغرب والجزائر وغيرهما لاستقلالها بعد كفاح مرير خاضته شعوبها ونخبها السياسية، حتى لو اقتضى الأمر حمل السلاح ضد المستعمرين لسنوات متواصلة، ولنا في كفاح شعب الجزائر المديد أو كفاح اليمنيين في جنوب اليمن خير مثال.
مفكرون عرب كثر، بينهم محمد جابر الأنصاري، دعوا في مؤلفاتهم للنظر إلى هذا الجانب «التقدمي» في تشكل الدولة الوطنية العربية، لافتين إلى أنه لا يتعين المبالغة في النظر إلى الدولة الوطنية على أنها مجرد تقسيم لوحدة كانت قائمة، وإنما كرافعة نحو المستقبل تقود هذه الوحدات المتفاوتة مساحة وسكاناً لتجاوز وإضعاف بنى التضامنيات السابقة لها من عشائر وطوائف وقبائل، في اتجاه تشكل دول حديثة يمكن لها أن تذهب للوحدة مستقبلاً حين تستوفي شروطها.
ما لم يخطر في البال أن هذه الدولة الوطنية التي نظر لها في بعض الحالات على أنها نقيصة، باتت اليوم مهددة في الصميم، وها نحن شهود عيان كيف تفتت وتتفت أمام ناظرينا دول قوية لا يجوز في حال من الأحوال الاستخفاف بما حققته لشعوبها، ولما أدته من دور إقليمي حاسم في محيط لا يضم العرب وحدهم وإنما جيرانهم من الأقوام الأخرى أيضاً.
وهنا أيضاً تجدر الإشارة إلى بلدين مثل العراق وسوريا، ومثلهما دول عربية أخرى لم تعد موحدة، وربما تفقد وحدتها بصورة نهائية إذا ما آل المخاض الدموي الراهن إلى مزيد من التشظي، وتشكيل خريطة سياسية جديدة للمنطقة.
لم تعد المعركة اليوم معركة قومية كما كان ينظر لها في عقود سالفة حين كان الحديث يدور عن وحدة عربية منتظرة، وإنما عادت إلى نطاقها الوطني، أي الحفاظ على ما هو قائم، لأن بديله، على ما نرى، ليس سوى الدم والخراب.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الأقليات في العالم وصون حقوقها- الألمان في ايطاليا

featured

هدى ورحاب والعميلة نهى والشيخة موزة!

featured

العروبة في قلب الخيبة والأنظمة المعادية!

featured

تحت العباءة الأمريكيّة

featured

انخطاف، يوم مات جورج

featured

المعارضة المسلحة في سورية مرتهنة لأعداء المستقبل العربي المنشود

featured

"أُو- فورتونا" وصديقتي