"ام محمود" فاطمة العمر، خرجت الى التقاعد قبل خمس عشرة سنة، هكذا تجيب عندما يسالها أي احد كانت منذ امد طويل تعمل في مصنع للسردين المعلب في عكا الى ان افلس واغلق ابوابه فهامت ام محمود تفتش في الاحراش والسهول والجبال عن مصدر رزقها لاعالة اولادها الخمسة بعد وفاة زوجها. كانت تبقل العلت والخبيزة والشومر والميرامية والقرصعنة والعكوب وتبيع ما انتجه عرق جبينها في سوق الخميس. كانت من الستة اشخاص الاكثر شهرة في البلد – المختار وامام الجامع وخوري البلد والناطور وراعي العجال والرداحة ام محمود. فقد كانت ام محمود شاعرة الاترا، رداحة قوالة تشدو بصوتها الجميل اشعار النواح على الميت المسجى جثمانه في التابوت في بيت العزاء فتردد النسوة بالدمعة والحسرة ما تقوله فاطمة العمر. كانت الرداحة في جميع مواكب جنازات المسلمين والمسيحيين في القرية، فبالنسبة لها فان الفقيد مهما كان دينه فانه ابن قوميتنا وشعبنا العربي الفلسطيني، ولكنها كانت تمتنع عن المشاركة في جنازات عملاء الحاكم العسكري المفضوحين ومن يخدم في جيش وبوليس السلطة، ومنذ ان حجت الى بيت الله الحرام في مكة توقفت ام محمود عن المشاركة في الجنازات كرداحة واقتصرت المشاركة في قراءة الموالد. ولا تخفي فاطجمة العمر هويتها السياسية والاجتماعية بتأييد الحمر وتزيين صدر ديوان بيتها بالمقولة "الدين لله والوطن للجميع"! ولا اعرف كيف ان ام محمود غزت مخيلتي في وقت تتزاحم فيه اخبار "غراب البين"، اقامة حكومة كارثية في بلادنا، القرصنة العدوانية على السودان، مؤتمر الخمة العربية.. تذكرت ما قالته عندما زرتها لاسلم عليها بعودتها سالمة من الحج قبل حوالي عقدين من الزمن. قالت في حينه "جاء ليسلم علي بعد عودتي من مكة امام جامع مدينة ليست من منطقتنا الحاج عبد المطيع يرفقه مجموعة من المصلين من بلدنا، قال عبد المطيع، جئت عند اخواني في الدين وبالصدفة قالوا لي انك عدت من الحج. فحجا مبرورا ومقبولا يا ام محمود. اخوانك في الدين ذكروا لي كم انت محترمة ولك تأثير كبير، فلماذا لا تستغلي تأثيرك لمصلحة ديننا وتبعدي الناس عن الحمر النصارى الذين يقودهم توفيق طوبي واميل حبيبي واميل توما وجمال موسى وفؤاد خوري ورمزي خوري، واخذ عبد المطيع يسبح في مستنقع التحريض الطائفي ضد المسيحيين والشيوعيين، لم استطع تحمل رذالته العنصرية، قاطعته قائلة: والله تم الجيش بالحاج قطيش، بكفينا محراك الشر الفتنة الطائفية من خدام السلطة في بلدنا، كم دفعوا لك اذرع مخابرات السلطة لزرع الفرقة بين انباء الشعب الواحد، توفيق طوبي ورفاقه اشرف المناضلين دفاعا عن حقوقنا، من ينهب الوقف الاسلامي ويحول الجوامع في قرانا المنكوبة الى زرائب للطرش ومواخير للدعارة ومن يدافع عنها رجال المخابرات لم ينقلوك ويحفظوك اسماء رفاق طوبي من ماير فلنر وتوفيق زياد وسليم القاسم وعثمان ابو راس وابو العفو الحصري ومحمد نفاع وعبد الحميد ابو عيطة، فهؤلاء اخواني الذين لم يلدهم رحم امي، اما دعاة التفرقة الطائفية فانهم اخوان الشياطين خدام الجلاد السلطوي عدو شعبنا وجماهيرنا، ديننا الحنيف يدعو الى التسامح والاخوة الوطنية "فالدين لله والوطن للجميع" وليس الدين ابدا وسيلة لخدمة الطغاة والظالمين. لقد اخطأت انت واسيادك يا عبد المطيع العنوان، قل لمرسليك ان الحاجة فاطمة اجابتني "بعد بس انت ناقصني حتى تحرفني عن الطريق المستقيم يا ممعوط الذنب، ام محمود مؤمنة بوحدة شعبنا الكفاحية اسلام دروز ومسيحية".
فقت ونهضت من سهوة الذاكرة، توجهت الى دكان الزهور اخترت باقة من الزهور العطرية الفواحة، قدمتها لام محمود رمز الوطن والوطنية الصادقة بمناسبة عيد الام مؤكدا لها ان ذريتها صالحة واهل لمواصلة رفع راية الشرف والكفاح برؤوس شامخة.
