أزمة "معاريف": سلاطين المال وأزعر الحارة

single
  • أزمة الصحافة الاسرائيلية والطوشة الساخنة بين كُتّاب المقالات تعكس حضيضا
  • هذه نتيجة مباشر لسيطرة كبار سلاطين المال، وأداتهم "أزعر الحارة"، بنيامين نتنياهو

 

تضج الحلبة الإعلامية الاسرائيلية بالخطر الذي يتهدد صحيفة "معاريف"، ومعها القناة العاشرة للتلفزيون، ومهما تعددت اسباب أزمة الصحافة عامة، فإن خيوطها تصل إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في سعيه للسيطرة شبه الكلية على الأجواء الإعلامية، بمساعدة اذرع مالية تلتقي مصالحها معه، ومستغلا لسيطرة كبار سلاطين المال على وسائل الإعلام، لتكون الذراع الضارب، والحامية لمصالحهم الكبرى، بينما الرسالة الاساسية للإعلام تتلاشى، وأصلا لم يبق منها الكثير.
وتعج الصحف في الايام الأخيرة بمقالات في اتجاهات مختلفة، وسجلت "معاريف" أمس الإثنين، ذروة، حينما كرس كُتاب المقالات والمحللين مقالاتهم للدفاع عن صحيفتهم، والهجوم على من يدعون إلى اغلاقها، وخاصة صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية التابعة لصحيفة "هآرتس"، وهناك من ربط هذا الهجوم، من أمثال المحلل بن كسبيت، بكون الثري الأميركي، شلدون أدلسون صاحب صحيفة "يسرائيل هيوم" يطبع قسما من صحيفته في مطابع صحيفة "هآرتس"، ويدر عليها اموالا ضخمة.
ولم تعالج هذه المقالات المضامين، ولا حرية الإعلام، بل إن الغالبية الساحقة جدا منها، إذا اخترنا أن لا نقول كلها، تضرب بسيف ممولي صحفهم، ولهذا فإن اسماء سلاطين المال انتشرت بين الاسطر، فتلك مقالات تتهم ممولين بالفساد، ومقالات أخرى ترد، بموجب المثل الشعبي القائل: "لا تعايرني يا بو صْوَيْ وأنت أطقع مني بشوَيْ".
مع التطور الهائل الذي شهدته وسائل الإعلام في العالم، وبشكل خاص في العقدين الأخيرين، فُتحت الأبواب على وُسعها أمام كبار اصحاب رأس المال للسيطرة على وسائل الإعلام، وهذه الظاهرة وصلت متأخرة نسبيا إلى اسرائيل، فالصحف المطبوعة لم تعد مشروعا تجاريا مُربحا أمام تعدد قنوات الإعلام واشتداد المنافسة، ولكنها لم تفقد أبدا دور بلورة الرأي العام.
وهذه المعادلة فهمها بالكامل سلاطين المال الذين تشعبت استثماراتهم، وشجعتهم سياسة ونهج الخصخصة، على الامساك بأدوات بلورة الرأي العام، كي تكون الحامية لمصالحهم الاقتصادية الكبرى، وفي نفس الوقت الذراع الضارب للمؤسسة الحاكمة، فالويل لوزير يحاول التمرد على السياسة الاقتصادية والقرارات الحكومية التي يسعى لها سلاطين المال، كما على رئيس الحكومة أن يحسب الف حساب لأصحاب الصوت العالي في الشارع، فإن أحسن التصرف، فهُم أيضا سيكافئون بالمثل، وليس هذا فحسب، بل سيمولون حملاته الانتخابية.
لم تكن مساعي نتنياهو للسيطرة على وسائل الإعلام قد بدأت مع توليه رئاسة الحكومة الحالية، بل حاول هذا في الولاية الأولى في سنوات التسعين، وقاد في حينه حملة تحريض شرسة على وسائل الإعلام بزعم انها خاضعة لأغلبية صحافية "يسارية"، ونذكر له خطابه المأزوم، قبيل انتخابات العام 1999، وهو يصف الصحافيين في إسرائيل بأنهم "جبناء".
في معمعان هجوم سلاطين المال للسيطرة على الإعلام، فهم بعضهم جودة التقاء المصالح بينهم وبين نتنياهو، الذي يتمسك بسياسة اقتصادية صقرية شرهة وشرسة، تعيد أسس العبودية والاقطاع إلى عالمنا، ولكن بتعابير "عصرية أنيقة" وربطات عنق.
ويأتي من وراء المحيط الثري الأميركي شلدون أدلسون، العنصري الحاقد على الشعب الفلسطيني، ليصدر صحيفة مجانية: "يسرائيل هيوم"، التي لا سياسة لها، سوى تسويق وتبييض سياسة نتنياهو، منذ أن كان مُنكبا في صفوف المعارضة، ومن ثم رئيسا للوزراء.
وتزعم استطلاعات رأي تبوء "يسرائيل هيوم" الصدارة في التوزيع، ومن الصعب أن نصدق كيف لصحيفة مجانية يومية ان تكون مشروعا ربحيا، أو أن تسدد تكاليفها على الأقل، ولهذا فمن الصعب التحرر من فرضية أننا امام مشهد من مشاهد فساد الحكم.
وبدأت الصحف الثلاث التقليدية الكبرى تضيق ذرعا بهذه الصحيفة، التي تقتطع من حصصهم في الإعلانات التجارية، وتتوغل أكثر في الإعلانات الحكومية، وفازت مؤخرا بمناقصة لاعلانات حكومية بقيمة مليون ونصف المليون دولار (6 ملايين شيكل سنويا). ناهيك عن ان نتنياهو سعى قبل فترة لضرب اسعار الإعلانات الحكومية، لضرب مداخيل الصحف اليومية.
في المجمل العام، فإن المشهد الحاصل، هو نتاج مباشر لسيطرة سلاطين المال، على وسائل الإعلام، لتفريغها من رسالة الصحافة التاريخية، حتى وإن كانت هذه الرسالة مُشوَّهة إلى درجة كبيرة، منذ ان ظهرت إسرائيل على الخارطة، فالإعلام الاسرائيلي، وعلى الرغم مما نراه من "حرية تعبير"، هو إعلام مرتبط بالمؤسسة الحاكمة ومُجنّد لها، ويُجند لخدمتها الرأي العام.
ويجب ألا يغيب عن بالنا، أن التقاء المصالح مع نتنياهو، كان أيضا جزءا من التقاء المصالح مع اليمين المتشدد، لكونه الصوت الأعلى في الشارع حاليا، ولهذا ليس صدفة اننا نرى الصحف تجنح نحو اليمين أكثر، وتقلص مساحات الحديث عن حقوق الانسان والسلام، ولا حاجة لذكر قضايا جماهيرنا العربية والمغيّبة أصلا، وهذا الحال يسري حتى على تلك الصحيفة، التي اختار أن لا أسميها، بعد أن كانت ذات يوم عنوانا لهذه القضايا في الشارع الاسرائيلي، ولكنها غيّرت في السنوات الثلاث الأخيرة الكثير من لون جلدها، مسايرة لأجواء اليمين.
نتنياهو الذي "يتنعم" و"يتلذذ" في السنوات الأخيرة، باللقب "الفاخر"، الذي منحه إياه عدد من المحللين: "أزعر الحارة"، يراقب ما يجري، ويُطمئن نفسه بأن المهمة على وشك الإنجاز، فهو يجول كثعلب الحلبة السياسة، ملوحا بذيله ولعابه يسيل من فكيه، ينتظر صحفا ووسائل إعلام تتهاوى، لتدفع بصحف أخرى للسجود له ولسياسته، وبالاساس للسياسة التي يريدها مرسلوه من سلاطين المال.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حماقة ليبرمان وأممية درويش الطبقية

featured

مؤامرة غربية بأيدي عربية

featured

يا خواجه عوفاديا يوسيف: لقد أبدعت!

featured

لا ينفع القفل ما دام الحرامي داخل الدار

featured

لسنا بحاجة... بل بحاجة...

featured

شُيُوعِيٌّ مُنْذُ اعْتِقَالِي

featured

المطلوب فلسطينيا واسرائيليا...!