في البيت تتشكّل حضارة ساكنيه.. فيه نجد مدرستنا الاولى والثانية والثالثة.. بين جدرانه ننشأ على الدفء والمحبة والتماسك، ومن صدره نرضع البان الخير ونتزود بمكارم الاخلاق ونبل الفضائل.
إذا خلت البيوت من الدفء والمحبة والتماسك والخير وسمو الفضائل، يذهب اولادنا الى المدارس حيث يفشل امهر المعلمين في اكسابهم ما لم يكسبوه في بيوتهم.
أجلس على شرفة بيتي اراقب احباءنا العائدين الى بيوتهم من رحاب المدارس، فأسمعهم يحترفون الصراخ والصياح ونابيّ الكلام. ظهورهم مثقلة بالكتب اما اناملهم فمتشبثة بأكياس المكسرات والمثلجات وعلب وزجاجات المشروبات، وعندما تستنفد هذه محتوياتها تتطاير على قارعة الطريق بعيدا عن حاويات القمامة، لتتحول شوارعنا وساحاتنا الى اكوام قاذورات ومراتع ذباب مبعثرة على مد النظر.. ألمضحك المبكي ان هذا السلوك المنكر يقترفه اولادنا بُعيد سماعهم محاضرات تربوية تحثهم على النظافة وحماية البيئة!..
عندما كنا صغارا علمنا اهلُنا ان الخبز مادة اكل مقدسة.. وعلمونا اذا ما وجدنا كسرة خبز ملقاة على الطريق ان نأخذها ونلثمها كأننا نلثم ايقونة قداسة، ونضعها في مكان بعيد كي لا تسحقها اقدام المشاة، فالخبز في تراثنا اسمه (العيش).. وهذا يعني العيش الكريم وعند المؤمنين منا يعني جسد الاولياء والقديسين.
ألام أروع مدرسة، والبيت موطن الآباء والامهات.. أهلنا هم معلمونا.. مدرسة الاهل أمّ المدارس على صعيد الافراد والجماعات.
إن نجاحنا في المجتمع لا يعتمد على ما يدور في مؤسسات الحكم من وزارات ومكاتب بلدية ومجالس محلية، بل على ما يحدث داخل بيوتنا..
ألعيب في بيوتنا وليس في مدارسنا ومؤسساتنا.. عندما يُغفل اهل البيت ادوارهم في إعداد الابناء للتمسك بجلال الاخلاق والانتماء والمسؤولية، يكون نسلهم طلبة فوق اكتافهم عقول محمومة، مرتعشة لا تثبت على شيء.
إن زاد الطفل من الفضائل يخرج معه من البيت... في البيت بداية البدايات وهذه ان لم نَصُنْها نغرق في ليل النهايات.
