رأيت من المناسب، بمناسبة يوم الأرض، إعادة نشر قوانين مصادرة الأراضي، كما نشرت في كراس "الأرض ، الوطن والبقاء" الذي أصدرته في آذار 1994.
ما أن قامت دولة إسرائيل حتى أخذت الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ مخطط عنصري واسع لمصادرة أراضي العرب الفلسطينيين في إسرائيل. فاعتمادا على المادة 125 من أنظمة الطوارئ الانتدابية البريطانية، أعلنت الحكومة عن "مناطق الأمن" لعام 1949. وبموجب ذلك أعلنت مناطق واسعة كمناطق مغلقة لا يحق للعرب التواجد فيها. وشمل ذلك قرى أجلي عنها أهلها مثل الغابسية، المجيدل، ومعلول، وصفورية، والدامون، وميعار، وكفربرعم، واقرث، وسحماتا وغيرها. والهدف من هذا الأمر منع سكان هذه القرى من العودة اليها.
واستخدمت أنظمة الطوارئ لمصادرة "الأراضي البور" وكيف كانت تتم العملية؟ يعلن وزير الدفاع عن أراضي قرى معينة (عدا التي أجلي عنها أهلها) مناطق مغلقة يمنع الدخول اليها إلا بتصريح. وهكذا يمنع صاحب الأرض من الوصول اليها وفلاحتها. وعندما كان يتوجه للحاكم العسكري طالبا تصريحًا للوصول إلى أرضه يرفض الحاكم العسكري إعطاء التصريح الذي يمكّنه من الوصول إلى أرضه وفلاحتها. وهكذا تتحول إلى ارض بور. وعندها يأتي وزير الزراعة ويضع يده عليها بحجة انها ارض بور غير مفلوحة ويعطيها للكيبوتسات والمستوطنات لفلاحتها.
وأتبعت الحكومة ذلك بقانون الغائبين لعام 1950. وبموجب هذا القانون استولت إدارة القيّم على املاك الغائبين الملحقة بوزارة المالية والتي أُقيمت لهذا الغرض، استولت على أملاك ريفية في 350 قرية عربية متروكة أو نصف متروكة. وتبلغ مساحة أراضيها 3,5 مليون دونم (بما فيها 80 الف دونم بيارات برتقال و 300 الف دونم بساتين وفواكه).
واعتبر هذا القانون عددا كبيرا من المواطنين العرب في إسرائيل غائبين، والغائب حسب مفهوم هذا القانون العنصري هو كل شخص كان مواطنًا فلسطينيًا، ترك في أي وقت بعد 29/11/47 (يوم صدور قرار التقسيم في هيئة الأمم المتحدة) وحتى 1/9/48، مكان إقامته الاعتيادي في فلسطين، إلى مكان خارج فلسطين او الى أي مكان كان تحت سيطرة قوات أرادت منع قيام دولة إسرائيل.
ويشمل هذا النص الألوف من الناس الذين كانوا يعيشون ويشتغلون في المدن وعادوا إلى قراهم بعد ان توقفت الأعمال.
ومنح القانون القيّم على أملاك الغائبين الحق بالإعلان عن أي شخص "غائبًا" وعلى هذا الشخص ان يثبت العكس. واعتبرت الأوقاف الإسلامية، وتشمل عشرات آلاف الدنمات وآلاف الممتلكات في المدن الكبيرة والصغيرة، اعتبرت أموالا متروكة على الرغم من وجود المسلمين واحتياجاتهم الدينية والاجتماعية لهذه الممتلكات وريعها.
وعلى هذه الأراضي التي صودرت أقيم بين 1947-1953، 350 مستوطنة من مجموع 370 مستوطنة أقيمت في هذه الفترة.
وصدر في العام 1953 قانون استملاك الأراضي (تصريف الأعمال والتعويض) وجاء هذا القانون ليمنح الحكومات الإسرائيلية صلاحيات واسعة للاستيلاء على اكبر مساحة من الأراضي العربية، وليثبت مصادرة الأراضي التي تمت مصادرتها وينص على تعويض أصحابها بمبالغ ضئيلة هي اقرب إلى السرقة الشرعية. وقد رفض، على العموم، أصحاب الأراضي الحصول على هذه التعويضات الهزيلة.
وخولت المادة الثانية من هذا القانون صلاحية اصدار شهادات تنشر في الجريدة الرسمية تشهد ان أرضا لم تكن بتصرف مالكها في 1/4/52 أو كانت مستخدمة أو مخصصة بين 14/5/48 (تاريخ إعلان قيام الدولة) و 1/4/52 لمقتضيات التعمير والإنشاء الحيوية او الاستيطان والأمن، وانها لا تزال ضرورية لاحدى هذه الغايات.
وبموجب صدور هذه الشهادات تصبح الأراضي المعنية ملكا لسلطة الإنشاء والتعمير الحكومية أي ان هذا القانون جاء ليمنح الحكومة ملكية الأراضي التي تم وضع اليد عليها واستعمالها بموجب القوانين السابقة. وقد صدرت شهادات عديدة من قبل وزير المالية بالنسبة لمساحات واسعة من الأراضي تشهد بأنها متروكة، على الرغم من ان أصحابها بقوا يعملون عليها بكامل الحرية (مثال على ذلك في مجد الكروم وقلنسوة). وقررت محكمة العدل العليا ان لا صلاحية لها في النظر في شكاوى هؤلاء المتضررين من العرب الفلسطينيين الذين صودرت أراضيهم، مورد رزقهم، حتى وان كانت شهادات وزير المالية غير صحيحة ومخالفة للواقع.
وصدرت هذه الشهادات في الجريدة الرسمية بين 25/6/53 و 2/2/54، وما ان انتهى عام 1954 حتى وصلت مساحة الأراضي العربية المصادرة حوالي 300 ألف دونم أو نصف ما يملكه العرب مواطنو دولة إسرائيل (الاتحاد 18/12/54).
- بدايات "تهويد الجليل"
ثم جاء قانون مرور الزمن لعام 1958. كان للفلاح الحق في ملكية الأرض إذا اثبت تصرفه بأرض أميرية أو ارض موات لمدة عشر سنوات. فجاء القانون الجديد ليزيد مدة مرور الزمن إلى 15 أو 20 سنة. ومكّن هذا القانون السلطات من مصادرة آلاف الدونمات وخاصة في الجليل.
وفي العام 1960، تم تعديل قانون الأراضي. وكان قد سجل زمن الانتداب أراض كانت تستخدم لحاجات القرى كالبيادر أو التحطيب والري، على اسم المندوب السامي قيِّمًا عليها لمصلحة احتياجات القرية لعدم وجود سلطات محلية في القرى العربية. فجاء القانون يمنح الحكومة صلاحية تغيير نوعية هذه الأراضي وتحويلها إلى أراض لا تتصرف بها القرية بل الحكومة لأغراض أخرى استيطانية مثلا. وهكذا استولت السلطات على أراضي عرب الخوالد وطبعون والعميرات والعمرية (قرب شفاعمرو) ومنحت هذه الأراضي لمستوطنة رمات يوحنان (الاتحاد 13/8/1960)، وحدث هذا في قرى عديدة.
واستخدمت الحكومة قانون المنافع العامة. وهو قانون انتدابي قديم لمصادرة أراض عربية. فصادرت عام 1956 ما مساحته 1200 دونم من أراضي الناصرة لإقامة نتسيرت عيليت. وفي العام ذاته صادرت 20 ألف دونم من أراضي قرى الشاغور، البعنة، دير الأسد، مجد الكروم، نحف وعرب السواعد، وتشمل هذه الأراضي حقول زيتون ومحاجر رخام عربية صادرتها لبناء كرميئيل، وهنا برز عاريا المخطط العنصري في تهويد الجليل.
وكان الحاكم العسكري قد ابلغ في كانون الأول 1955، جميع مخاتير سخنين وعرابة ودير حنا وعرب السواعد وقرى الشاغور – مجد الكروم ودير الأسد والبعنة ونحف والرامة، وكذلك مخاتير قرى منطقة شفاعمرو، بحضور مدير بوليس عكا انه يعلن جميع الأراضي الواقعة على بعد كيلومتر شمال الطريق العام الممتد من ميعار إلى سخنين وعرابة ودير حنا وجنوب الطريق العام الممتد من مجد الكروم إلى الرامة منطقة مغلقة يمنع الدخول اليها. وكل من يخالف هذا الأمر يعرض نفسه للسجن 5 سنوات أو لغرامة قدرها 5 آلاف ليرة أو كلتا العقوبتين معا. وعلم ان عددا من المخاتير رفض التوقيع على التبليغ المذكور وهذه هي المنطقة رقم 9.
- هجمة جديدة
وجاءت هجمة جديدة من قبل السلطات لمصادرة مساحات واسعة من أراضي الجليل، لتنفيذ مشروع تهويد الجليل، ولاحقا في النقب في مطلع 1975. وأثارت هذه المصادرات نقمة واسعة بين الجماهير العربية. وكانت هذه المصادرات الدافع المباشر إلى إقامة لجنة الدفاع عن الأراضي العربية في آب 1975. وتطورت الأمور إلى ان وصلت إلى يوم الأرض الخالد في 30 آذار 1976.
وفي العام 1979 صدر قانون استملاك الأراضي في النقب لمصادرة مساحات واسعة من أراضي عرب النقب، بذريعة تنفيذ اتفاق كامب ديفيد لبناء قواعد عسكرية ومطارات جديدة في النقب بدلا من تلك التي كانت في سيناء وشملت المصادرة 150 ألف دونم توجب إخلاؤها خلال 3 أشهر. وبعد كل هذه المصادرات لم يبق في يد القرى العربية سوى مساحات صغيرة من الأراضي.
وكما هو معروف فقد استمرت الحكومة في سن قوانين جديدة للاستمرار في مصادرة أراض عربية، واستمر نضال الجماهير العربية بتأييد القوى الديمقراطية اليهودية ضد سياسة الحكومة العنصرية في مصادرة الأراضي العربية وهدم البيوت والاقتلاع والتشريد والتمييز العنصري في مختلف نواحي الحياة.
