وإذ حصل لـ "الجزيرة" ما حصل لغيرها!*

single

صحيح أن الأحداث العربية المتسارعة أرسلتنا في رحلة اكتشاف مجاهيل ومعالم المجتمعات العربية إلا أنها شكّلت فرصة لتقصّي سيرة الإعلام في صيغته الراهنة من خلال أداء قناة الجزيرة وهي من أبرز الوسائل الإعلامية حضورا في الحيز العربي. نفعل ذلك في ضوء ما شهدته هذه القناة من شعبية ومن تحولات وما يُنسب إليها من رصيد وأثر في التحولات العربية الجارية.
أمكننا أن نؤرّخ لـ "الجزيرة" (وأقصد الإخبارية) بفترتين، الأولى ـ وتمتد منذ تأسيسها حتى غداة الحرب الثانية على العراق. والثانية ـ وتمتد من مرحلة الاحتلال الأمريكي إلى يومنا هذا. وقد شهدت المرحلة الأولى تطوير القناة كمؤسسة صحفية بالأساس تعمل وتتهيكل على أسس مهنية في صلبها التشدّد في اعتماد معايير صحفية مثل إقامة التوازن بين الروايات والتغطية دون إصدار الأحكام وتصوير الأحداث وعكسها دونما التبجح بصنعها أو التأثير عليها. هذا في مستوى التوجّه العام. أما في مستوى البرامج فقد تعددت برامجها الإخبارية واتسمت بعمق وباستراتيجية الاستقصاء والبحث الجاد عن الحقيقة. وعمدت إلى استئجار خدمات صحفيين وصحفيات يتمتعون بمؤهلات عالية. ثلاثة مجتمعة عوامل أكسبت القناة مكانة مرموقة في الخارطة الإعلامية العربية والعالمية، وبشعبية واسعة.
أما الفترة الثانية من عمر القناة فقد اتّسمت بانعطافة حادة من فضاءات المهنة والمهنية إلى مغاليق الأيديولوجيا والتوجّه السياسي المحدّد. فقد بدا من البرامج واللغة والوجوه الجديدة التي طلعت علينا من أثيرها إن أصحاب "الجزيرة" مَوْضعوها ضمن التيار الإسلاموي وتوجهاته وضمن ما اعتبرناه نسقا في ثقافتنا العربية وهو الغضب العربي من أي شيء على كل شيء لاسيما على إسرائيل والولايات المتحدة. بل بدا أن سياسات قطر الدولة التي تملكها القناة ـ كما يقول الظرفاء ـ بدأت تنعكس أكثر فأكثر على شكل وحجم تغطيتها ولغتها فيما يتصل بأحداث عامة وعربية (القمع الدموي في سوريا، مثلا أو التغطية الويكليكسية للمفاوض الفلسطيني، على الجهة المقابلة).
*عن "الحياة".
بمعنى، أنه قد حصل لـ "الجزيرة" ما حصل لمؤسسات إعلامية بدأت من خط المهنة ووقعت مغرومة بإغواء القوة والسطوة في التعاطي مع عامليها وفي التعامل مع الجمهور والفضاء العربي. وإذا كانت شرعيتها/شعبيتها تأسست في المرحلة الأولى على المهنية في الداء فإن شعبيتها/شرعيتها في المرحلة الثانية، تأسست على القوة التي اكتسبتها في المرحلة الأولى. ومن هنا نراها مطمئنة إلى رصيدها مستعدّة للخوض في خطاب مُؤدلج مفترضة أنها من القوة بمكان كي تفعل وتؤثّر.
وهو أداء غير محصور في "الجزيرة" بل صار النموذج الإعلامي المألوف عالميا ـ سوى ما بقي من وسائل إعلام أمينا للمهنة وأحكامها وأكثرها ينشط ضمن المدرسة الأوروبية ـ ومؤدّاه أن المؤسسة الإعلامية هي في الدرجة الأولى طرف في المعادلة الاجتماعية، مشروع اقتصادي في طريقة تفكيره ومنطقه وعمله، مرتبط على هذا النحو أو ذاك بجهة سياسية داخل الدولة أو في رأس الدولة. أما الخطوة التالية من هنا فهي البحث عن تحقيق المصلحة الاقتصادية أو السياسية. وقد تكونان منفصلتين أو متطابقتين. وهو ما يقتضي تحقيق الرواج الإعلامي بالتصويب على القواسم المشتركة الأوسع بين العرب. وفي هذا الإطار أمكننا أن نفهم ذهاب "الجزيرة" شوطا بعيدا في ركوب موجة الغضب العربي قبل التحولات الأخيرة وخلالها. بل بدا لي واضحا في رصدي لأداء "القناة" ـ وسواها، أيضا ـ أنها تستفيد من الحدث أكثر مما تفيده بكثير. سيقول قائل أنها العلاقة الجدلية بين الإعلام وبين الأحداث، وهو ما نفترضه في تفكيكنا للمشهد الإعلامي، لكن ما العمل ما دام الانطباع أن الوسيلة الإعلامية ـ وهنا الجزيرة تستثمر الحدث حتى النُخاع كمؤسسة تعتقد أنها أقوى من أطرافه وأنها قادرة على توجيهه أو على إعلاء شأنه أو خفضه!
ومن علامات المرحلة في "الجزيرة" أنها تتمحور في القطبين المتضادين المتقابلين ـ متحدثو حماس من جهة مثلا، ومتحدثو حكومة إسرائيل اليمينية، من جهة أخرى. برنامج "في الاتجاه المعاكس" هو صورة مصغّرة لثنائية التناول ـ عادة وتُغفل المساحة العظمى الممتدة بينهما. وهي المساحة التي تقوم على التركيب والتعقيد في الحدث أو الحالة أو الموضوع. إلا أن الجزيرة، كسواها من وسائل إعلام سبقتها، اختارت صورة التبسيط والتسطيح، وأقامت المشهد ومجمل الصورة على ثنائية تذكرنا بثنائية بوش الإبن" محور خير ومحور شر. وإذ يقال: حدث لـ "الجزيرة" ما حدث لغيرها! فهلا تحرّرنا من أسطورة جديدة على غرار أساطير الرؤساء والقادة العرب! وقدر الإنسان أن يُمضي عمره في صراع ضد سلطة ما، وهنا، سلطة المؤسسة الإعلامية.

 


marzuqh@gmail.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

نعم لشعبنا ونعم لجبهتنا

featured

ليس في مصلحة المستقبل العربي والجماهير العربية غياب ثقافة النضال الطبقي عن الساحة العربية

featured

الهروب من إسرائيل

featured

ورقة نتنياهو السلامية القاتمة

featured

خيارات وحسابات مركّبة أمام الإدارة الأمريكية: بين نار الجمهوريين ورمضاء نتنياهو وسائر أزمات المنطقة

featured

تونس 2006 – ذاكرة القمع

featured

جرح وعد بلفور لا يزال ينزف دماً