** شروط قاسية
في مقدمة هذه الملاحقات محاولة الأنظمة العربية الاستمرار بمصادرة القرار الفلسطيني، ونتائج معارك أيلول الأسود والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وآخرها طلب السلطات التونسية من منظمة التحرير الفلسطينية اخلاء مكاتبها في تونس ولا ننسى الخلافات الدامية بين الفصائل الفلسطينية المسلحة والانقسامات داخلها. استغلت إسرائيل هذه الظروف، وفرضت على منظمة التحرير أثناء مفاوضات أوسلو شروطًا قاسية و مذلة، كان يجب عليها رفضها
في الثالث عشر من الشهر الحالي مرت الذكرى ال 24 لتوقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، وحقيقة بأن هذا هو أول اتفاق سياسي بين الطرفين اليهودي والفلسطيني، فجميع الاتفاقيات السابقة كانت دائمًا تتم بتأثير خارجي، عربي أو أجنبي وهذا هو أول اتفاق تقرره قيادة فلسطينية دون تدخل جامعة الدول العربية، مع أن غالبية دول الجامعة في حينه وافقت على هذا الاتفاق، باستثناء سوريا والعراق.
مرت هذه الذكرى بهدوء وصمت خجول، كالغيمة البيضاء التي لم تطرح شيئًا، وهذه ليست المرة الأولى التي تمر فيها ذكرى هذا الاتفاق دون طبل وزمر في وسائل الاعلام الإسرائيلية والعربية وحتى العالمية.
وسائل الاعلام في إسرائيل تناولت هذا الحدث بأسلوب الهارب من المواجهة التاريخية وتناقلته داخل ممرات ضيقة تكاد لا تُسمع، وهذا يؤكد بأن حكومة اليمين الفاشي فيها غير معنية بتناول هذا الموضوع، وانها ترفضه وتحاربه، أكثر من ذلك غالبية الإسرائيليين يعتبرون اتفاق أوسلو تنازلًا ومنة من طرفهم، وانهم تنازلوا عن حقوق يمتلكونها وحدهم، وان ما حصل عليه الفلسطينيون لا يستحقونه.
هذا كان أيضًا حال غالبية الفلسطينيين ، فقد تعمدت وسائل اعلامهم عدم تخصيص حلقات الحوار والبرامج لتناول هذه المناسبة، الا في حالات هامشية للغاية، هذا الموقف مؤشر الى حدوث تراجع كبير في نسبة الذين دعموا هذا الاتفاق، وصفقوا له، حتى داخل السلطة نفسها. لكن هذا التجاهل لا يخفي حقيقة هامة وهي:
ان هذا الاتفاق قد سبب شرخًا عميقًا داخل المجتمع الفلسطيني، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بسبب الاتفاق انقسمت القيادات الفلسطينية الى معسكرين كبيرين، معسكر لا زال يؤمن بحق الكفاح المسلح فقط ويشمل حركة حماس والجهاد الإسلامي، ومعسكر بقيادة فتح يؤمن بالحوار والحلول السلمية فقط.
اللافت للنظر عند التوقيع على هذا الاتفاق ان الوفد الفلسطيني المفاوض والموقع لم يرجع الى الشعب لأخذ رأيه، فقد فرض هذا الاتفاق فرضًا على الشعب الفلسطيني، كما ان هذا الوفد تستر على الكثير من قواعد وبنود هذا الاتفاق، هذا ما فعله السادات عندما وقع مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد.
الاعلام الإسرائيلي كان من كشف غالبية بنود اتفاق أوسلو، كما كشف هذا الاعلام من قبل اتفاقية كامب ديفيد وكشف أيضًا اتفاق وادي عربة مع الأردن.
يجب أن نعترف بأن هذا الشرخ تحول الى جرح نازف من الخلافات الفلسطينية الفلسطينية لا زال قائمًا، وان المردود العكسي الأول لاتفاق أوسلو بدأ بإطفاء نيران الانتفاضة الأولى، وكان من المفروض أن تستمر هذه الانتفاضة حتى يحقق الشعب الفلسطيني جميع أمانيه، بالاستقلال الكامل. لقد خسر الشعب هذه الثورة الشعبية التي قل ما حدث مثلها في التاريخ، لقد فاقت في تأثيرها واسلوبها وايقاعها النضالي ثورة الشعب الهندي بقيادة غاندي. الانتفاضة الأولى تختلف ومغايرة لكل الثورات التي قام بها الشعب الفلسطيني في الماضي، قيادتها كانت في الميدان من أبناء الكادحين ومن الريف الفلسطيني ومن المسحوقين في المخيمات، سلاحها الإرادة والاصرار على كنس الاحتلال والمواجهات الجماهيرية مع قوات الاحتلال. كشفت هذه الثورة صلف إسرائيل وسياستها القمعية، وقد نالت موافقة الكثير من الدول في العالم، مما زاد من الضغط على حكومة الاحتلال للتفاوض مع الفلسطينيين.
هناك من يعتبر اتفاق أوسلو نقطة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني، لأنه أوقف أولًا عجلة الثورة، وفي نفس الوقت تنفست إسرائيل الصعداء من حالة الحرج والارتباك التي سببتها الانتفاضة. مع ذلك هناك من يحاول أن يضع العوامل التي دفعت قيادة منظمة التحرير التوقيع على هذا الاتفاق، في مقدمتها خروج مصر من المعركة، بعد اتفاق كامب ديفيد، هذا الى جانب الخلافات العربية العربية، وغياب مشروع قومي عربي وخطة مشتركة لحل القضية الفلسطينية، إضافة الى الضغط والملاحقات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وقيادته من قبل الانظمة العربية، ناهيك عن الدعم الأمريكي الامبريالي غير المحدود للصهيونية وإسرائيل.
في مقدمة هذه الملاحقات محاولة الأنظمة العربية الاستمرار بمصادرة القرار الفلسطيني، ونتائج معارك أيلول الأسود والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وآخرها طلب السلطات التونسية من منظمة التحرير الفلسطينية اخلاء مكاتبها في تونس ولا ننسى الخلافات الدامية بين الفصائل الفلسطينية المسلحة والانقسامات داخلها.
استغلت إسرائيل هذه الظروف، وفرضت على منظمة التحرير أثناء مفاوضات أوسلو شروطًا قاسية و مذلة، كان يجب عليها رفضها، من بين المآخذ التي سجلها الكثيرون على هذا الاتفاق: التجاهل كليًا لفلسطينيي الداخل، بل على العكس فقد أقر أسرلتهم، ووافق مع الطلب الإسرائيلي بعدم تحرير اسراهم الامنيين الذين ما زالوا حتى اليوم في السجون.
أقر الاتفاق بحدود إسرائيل من رأس الناقورة شمالًا الى ايلات جنوبًا وأكتفى الفلسطينيون بما تبقى من فلسطين، الاعتراف الشرعي بإسرائيل جغرافيًا وسياسيًا تحول الى إقرار والتزام دولي فرض على السلطة الفلسطينية عدم التراجع عنه، كما ان هذا الاتفاق يعني بالمفهوم الدولي السياسي وغير السياسي وقف الاعمال الحربية من قبل الفلسطينيين، واعتبار كل مقاومة ارهابيًا حتى لو لم تلتزم إسرائيل بقراراته.
الاتفاق لم يوضح وضع القدس والموقف من المستوطنات التي كانت قائمة، كما أنه لم يضمن تشكيل دولة فلسطينية، ولم يحدد موعده لقيام دولة فلسطينية، لم يسمح الاتفاق بإقامة جيش وطني فلسطيني دون اذن من الاحتلال، وأجبر السلطة الفلسطينية على التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال للمحافظة على الاستقرار والهدوء ومنع أي عمل من أعمال المقاومة لمنع توسيع الاستيطان.
سبب الاتفاق تقسيم الأراضي الفلسطينية الى دوائر وكنتونات بأسماء والوان مختلفة يسمح للقوات الإسرائيلية اقتحامها واباحتها متى شاءت.
مع ذلك هناك من يرى بعض النقاط الإيجابية في هذا الاتفاق، نورد بعضها:
أعطى حكما ذاتيا للشعب الفلسطيني على جزء من أرض فلسطين، لكن هذا الحكم بقي دون سيادة، بفضل هذا الاتفاق جرت لأول مرة انتخابات رئاسية برلمانية تشريعية، كما تم بفضل الاتفاق اطلاق سراح عدد كبير من اسرى الحرية من سجون الاحتلال، كما عاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين الى الأراضي المحتلة، وسُمح لأول مرة بنشر الهوية الفلسطينية وجواز السفر الفلسطيني والعلم الفلسطيني داخل الوطن، وهذه تعتبر من رموز السيادة وتثبيت الهوية.
