السنبلة الفارغة في الحقل نراها عالية اكثر من غيرها رافعة رأسها، والسنبلة المليئة بالقمح او غيره نراها تخفض رأسها عكس الفارغة.
هذا ما يدور في بعض الأحيان في المجالسات واللقاءات بين الناس وخلال جدالات او مداعبات كلامية يستعرض فيها المجتمعون بعضًا من امور الساعة، وربما يتطرقون الى ما ورد قبل قليل في هذه السطور، وقد يأتي ذكر ذلك ربما في الحديث عن الرجال او بالأحرى في تصنيف الرجال، ولا غاية لي مطلقًا بالتعرض او القصد لأي كان.
ومما لا ريب فيه اننا نرقب وعن قرب كثيرًا من السنابل في الحقل رافعة رأسها، شامخة تلفت
النظر الى حد معين، سرعان ما يتأكد الناظر او المتفحص لذلك انها اي السنبلة ارتفاعها وشموخها ينطوي على عكس منظرها ويتيقن انها فارغة ولا تحتوي حتى على حبة واحدة وإنما خاوية خالية، فلا يعنيها مطلقًا ما بها وكأنها تقول انا اطول من الكل او انا اعلى من الكل الا انها تتناسى ما هي به من قحط ومحل وعدم في داخلها.
وهذا طبعًا اخواتي واخواني ينطبق تمامًا وبدون تكليف على كثيرين من الرجال الذين يشرئبون عاليًا ويرفعون رؤوسهم، وقد ينظرون الى الناس من أعلى، وإذا اقتربنا منهم واردنا التعرف عن قرب على جوهرهم، او على محتوياتهم، افكارهم، تصرفاتهم وطول قاماتهم، وشموخ هاماتهم لتمكنّا بدون عناء التعرف وبسهولة على انّ هؤلاء يرفعون رؤوسهم ليس عن جدارة فطولهم يعكس نسبة جهلهم، وشكلهم ينم عن ذلك، فلا تفكير عندهم بما هم فيه، ولا خير فيهم مطلقًا، نراهم ضعيفي النفوس، لا مسؤولية تقلقهم ولا هم يشغلهم، ولا نظام يوجههم كالسنبلة الفارغة تمامًا طولا وعنجهية وقد "عالفاضي".
ففي نظري هؤلاء عالة على انفسهم، عالة على ذويهم وبدون ريب عالة على مجتمعهم وهم
يمتصون خير المجتمع في بعض الأحيان كما تمتص السنبلة الفارغة ، جوهر الأرض، تعلو وتكبر دون فائدة، الا انّ الرجال هؤلاء يمتصون الخيرات بطرق ملتوية وباحتيال لا يمكن للعقل تصوره.
وفي نفس الوقت يدعون بصدق تصرفاتهم وكأنهم حماة الديار... يا حرام!!! وقد يؤكدون في احاديثهم انهم الأوائل في الاستقامة والعدالة والمساواة وهم من هذا حقًا براء.
وفي الناحية الاخرى نرقب في خضم المجتمع اناسًا قياديين، امناء، خدومين، عصاميين، مفكرين، اصحاب ضمائر حيّة، ولديهم القدرة على محاسبة النفس والضمير، يعملون بكد وجد دون كلل او ملل في السهر على لقمة عيشهم الحرة الشريفة النقية تمامًا عكس النوع الآخر من الرجال كما اسلفت، هؤلاء الرجال وقد يكون الحديث عن الجنسين بدون شك، هم اصحاب الانجازات وأعمال الخير والاوفياء تجاه اسرهم وكذلك تجاه المجتمع، نعم هؤلاء الناس الذين يعج المجتمع بأمثالهم لا فرق بينهم وبين تلك السنبلة التي تمتص من خيرات الأرض لتعطي محصولًا وتمتلئ بالغلة لتعطي ما تعطيه من المنتج الى الناس وتكون مليئة محملة بالحبوب تمامًا كالرجال الأوفياء المليئين بالإنجاز وبالجد والكد والوفاء والصدق يحافظون على انفسهم وعلى ذويهم وعلى مجتمعهم في العديد من النواحي الحياتية وربما يقودون مصالحهم ويجودون بالعطاء في هذا المجتمع حيث لا مكان عندهم للاعوجاج ولا يفكرون يومًا بالشموخ ورفع هاماتهم والتعالي على الآخرين كالرجال الذين يشبهون السنبلة الفارغة، فهؤلاء نراهم متواضعين قنوعين بما لديهم، نراهم متسامحين غير مُغالين بما يقومون به من اعمال وانجازات في اُطر عديدة ومتنوعة، تمامًا كالسنبلة المليئة بالحبوب التي تخفض رأسها غير متعالية على زميلاتها في الحقل.
فعلى على كل انسان ايًا كان هذا الانسان الادراك الصحيح بأنّ الطول والعرض والشكل اذا كان المضمون فارغًا خاويًا لا خير فيه، ولا إنجاز لديه، ولا مسؤولية ولا ولا... فلا يمكن ان يساعده شيء من هذا القبيل، وبالمقابل نرى الانسان الذي يدرك انّه مليء بالمضمون والانجاز والعطاء حقًا وبمسؤولية صحيحة وبأمان وبدون شموخ فارغ يخفض رأسه عن ايمان، عن قناعة، عن ادراك صادق لما هو فيه،هذا النوع من الرجال يستحق التقدير والاكرام والاحترام دون تكبر او تعالٍ.
علينا في هذا المجتمع ان نتمثل جميعًا بتلك السنبلة الممتلئة بالغلة والتي تحافظ على
توازنها وعلى مكانتها والتي تنم عن الصحيح وفقط الصحيح تمامًا كالرجال الذين سبق وذكرناهم يعرفون ما لهم وما عليهم، وأن نبتعد جميعًا عن الادعاءات والفراغات لغرض الشموخ ورفع الرؤوس دون رصيد يذكر لذلك، لأنّ التواضع والعمل الجاد والموضوعي والمستقيم والصادر عن يقين اصيل هو ضمان بقاء واستمرار المجتمع على قيمّه الأصلية ’ الإنسانية والاجتماعية النقية، الأمر الذي يمكن ان يساهم في نبذ التصرفات والأعمال غير المقبولة في شتى دروب الحياة والذي تنطوي فيه مصلحة المجموع والمصلحة العامة.
(أبو سنان)
