سيد قشوع والخدمة المدنية

single

*ترجمة للمقال اللاذع الذي نشر في الملحق الأسبوعي لجريدة "هآرتس" بتاريخ 13/7/2012*

 

لفت نظري الكاتب منذ مقاله الأول كونه شابا عربيا يكتب باللغة العبرية في صحيفة "هآرتس" اليومية. وقد أعجبت بمتانة لغته العبرية وأسلوبه الصحفي. وموضوع مقاله الأسبوعي الذي رأيته دائمًا حول شؤون الساعة. كاتبنا ينتهج في كتابته أسلوبًا ساخرًا لاذعا ناقدًا وجارحًا أحيانًا واستطاع لأجل هذا ان يستقطب حوله معجبين من اليهود والعرب غيري.
فيما يلي ترجمتي التي أعرفها لمقاله الأخير والذي كتبه حول "الخدمة المدنية" آمل ان تستمتعوا بالمقال كما استمتعت أنا فيه وفيما يلي الترجمة:
"أيها العربي
جيش الدفاع الإسرائيلي يناديك!!
ها هو الحلم يتحقق في النهاية! فأمهات أم الفحم سوف سيستمتعن بمرافقة أولادهن الذاهبين للخدمة العسكرية!
لم أخفِ قط حلم طفولتي.. آه كم مرة حلمت في أثناء طفولتي ان أصبح عندما اكبر طيارًا حربيًا!! دائمًا حلمت عن طائرات الـ إف 16 الحربية. عن الفرقعات الصوتية تهز بطن السماء. وعن طيراني المنخفض فوق بيت الفتاة التي أحببتها من الطيرة! حلمت أيضًا عن النظارات السود. عن البزة العسكرية المكوية بإتقان عجيب لتناسب قوامي المتكامل! تلك.. كانت أحلام طفولة.. ولكنَّ أبويَّ وعداني بتحقيقها لي!! ولكن بعد ان أكون أنهيت دراستي الثانوية!!
أذكر أنهم قالوا لي مرة بان دولة لنا ستقوم في المستقبل!! وسأصبح طيارًا حربيًا فيها إذا رغبت في ذلك!!
سألت نفسي يومها.. وما معنى ان تقوم لنا دولة!؟ وأيُّ فائدة ترجى من قيام دولة أخرى!!
أسئلة راودتني في  الصغر.. إلا أنني آمنت وصدقت وعود أبويَّ واعتمدت عليها كثيرًا.. تابعت أحلام الطفولة.. بلذة فائقة خاصة تلك الأحلام التي أرى فيها نفسي طيارًا اشق عنان السماء الرحبة بطائرته!!
في الحقيقة.. لم انجح في تحقيق أحلام طفولتي إلى الآن.. إلى ان وصلت هذه الأيام الأخيرة إذ منّت علينا السماء وحكومة إسرائيل في أعقاب حركة الهبة الاجتماعية وتلك الخيام التي أقامها نفر من العابثين على طول البلاد وعرضها فتيقنت انني قد استطيع أن ألبّي لأولادي جميع النواقص التي لم استطع ان ألبيها لنفسي حتى الآن.
ها أنا أرى نفسي متواجدًا في حفل يحضره ولدي الذي يحتفل مع زملاء له باختتام دورة لتأهيل الطيارين..!! عيناي تدمعان من شدة الفرح تمامًا كما تدمع عيون الأهل من زملاء ولدي المتخرجين من قلنسوة وجسر الزرقاء.
في الحقيقة!! لم استطع التحكم في دموعي التي تنسكب من عينيّ بغزارة. خاصة وأنا أرى ابنتي تتسلم بيديها "شارة الجناحين" الخاصة بالطيارين وطرت فرحًا أكثر.. عندما أبصرتها وصحبها من الطيارين الجدد يطيّرون قبعاتهم إلى أعلى إلى السماء وسط ضحكات تملأ الفضاء فرحًا وغبطة!!
دعوني أؤكد لكم وقبل كل شيء عن معارضتي المبدئية لأي نوع من أنواع الخدمة وطنية كانت أم أهلية!! فلا قدّر الله، فمعارضتي ليست نابعة من الأسباب التي يوردها عرب إسرائيل كالمساواة في الحقوق أو ما يشبهها من مهاترات!! لا ليس هذا هو السبب!! فانا اعرف واعترف بان العديد من الناس من ذوي القدرات المتدنية في مجتمعنا يستطيعون التطوع للخدمة في المستشفيات المحلية!! أو في ملاجئ العجزة! أو حتى في هذا الخضم من مؤسسات الصحة والرفاهية الاجتماعية التي تملأ قرانا!! إلا إنني قلت في نفسي فما دام الأمر لا يتعدى "المشاركة في تحمل الأعباء"!! إذًا فلنذهب بالأمر إلى ابعد الحدود فلتكن خدمة عسكرية لان هناك العديد من الناس يسألونني دائمًا "ما رأيك في تجنيد العرب"؟!
وهنا أجيبهم بسرعة وبلا تردد "فليكن، هيا سلمونا السلاح بأيدينا!! لا لست غبيًا أنا!! لأنني واثق من ان قطاعًا من القراء العرب لا تعجبه إجابتي!! ولكني تعودت دائمًا على أن أجيب بعد قناعة تامة ولأنني اعتقد ان إجابات اخوتنا العرب حول هذا الموضوع نابعة عن عدم تعمق في الفكرة فبعضهم يرفضون حتى مجرد الاعتراف بفضائل فرض الخدمة الإجبارية على العرب!! مع اني أراها أنا تطورًا نحو الأفضل لمجتمعنا العربي ولن ينتج عنها إلا السكينة والهدوء.
قد يكون الأمر صعبًا في البداية!! كثير من المجندين العرب قد لا يتدبرون أمورهم في وحدات الجيش المختلفة؟! كوحدة الكلاب!! وقد يكون التجنّد لسلاح البحرية ذا خطر بالغ أيضًا. لأنني لست متأكدًا من عدد المجندين العرب الذين يتمكنون من النجاح في دورة الغوص الخاصة بقيادة سلاح البحرية ولكن في المقابل هنالك العديد من الوحدات العسكرية التي نستطيع نحن العرب ان نتدبر أمرنا فيها!! لا اقصد بالذات وحدة الـ 8200 (وحدة مخابرات - المحرر) وحدة دوفدوفان (ما يسمى مستعربون – المحرر) المتميزة والتي يبرز فيها تفوقنا العددي على غيرنا!! فقط أولئك الذين أطبق الله على قلوبهم وافقدهم رب العالمين نعمة الخيال.. هم وحدهم من لا يدركون التميز للأحسن في تجنيد العرب.
يا الهي.. ما هذا الشيء الذي أراه.. ها أنا أرى الشارع الرئيس في الطيرة!! أرى جنودنا من أولاد البلد عائدين لبيوتهم ولكن متعبين وفخورين. ها هم ينزلون من الباصات في محطات ايغد المنتشرة في كل البلد.. ها هي أمهاتهم تستقبلنهم بالعناق والترحاب.. أمهات حريصات وآباء فخورون.. حتى زوجتي!!
فها هي تسجل تحية في برنامج "صوت أم" إلى ذلك الجندي الذي تخلف هناك في مكان سري في جنوب البلاد!!
في ساعات المساء وبعد ان يكونوا قد استراحوا فسيذهب هؤلاء الفتية إلى المدينة!!
يلهون ويرتعون ويستمتعون!! من الطبيعي ان يستبدلوا ملابسهم فيخلعون البزة العسكرية ويلبسون ملابس مدنية كيف لا وهم الآن في طريقهم إلى المسرح البلدي.. بالمناسبة "المسرح البلدي في الطيرة يخفض للجنود من أسعار تذاكر الدخول"!


والأمر نفسه يجري في دار السينما المحلية في الطيرة !! لله درهم فما زال الجنود يتخبطون في قرارهم.. أين سيقضون الليلة؟! فلم يقرروا بعد إلى أين سيذهبون !! إلى المسرح البلدي أم إلى دار السينما المحلية. ربما إلى نادٍ ليلي أو لعل أفضل الأماكن هو دار الأوبرا المحلية في الطيرة!! ليهنأ الشباب وليستمتعوا!! فهذا عصرهم!!
بعد أيام سيأتينا يوم الأحد يوم الوداع. أرصفة القطارات في الناصرة العربية وفي المدينة التي تليها أم الفحم تعج بالمسافرين والمودعين. القبلات والورود والبالونات تملأ الفضاء، الأمهات يوصين وينبِّهن أولادهن العائدين للخدمة العسكرية في قواعد الجيش المختلفة. "ديروا بالكم وانتبهوا لأحوالكم" توصيات الأمهات.. ثم تذكر المجندين بالقول "لا تهتموا أبدًا بما ترونه تذكروا فقط أن ليس هنالك بعد اليوم احتلال إسرائيلي للأراضي الفلسطينية!! وسوف أتضامن مع هذا بان أتجند للجيش الاحتياطي!! وابعد من ذلك سأكون أيضًا عضوًا في اللجنة الخاصة المحلية التي تعنى بالجنود، ومن موقعي الجديد هذا سوف أغير بيت الجندي في جلجولية واحوّله الى مؤسسة لرعاية شؤون الطفل وسأغير تبعًا لذلك برنامج استعمال البركة المحلية وقاعة الرياضة الخارجية. سوف آخذ على نفسي إدارة حملة التبرعات الأهلية للجيش في كل منطقة المثلث!!
لا.. لا أقول معاذ الله ان كل شيء في الجيش على ما يرام!! هذا مع علمي المسبق بأن الجيش سيكون مرهِقًا لأولادنا!! فلا بد من ان تأتي على أولادنا لحظات تضطرهم فيها لإطلاق النار على قريب أو توجيه ركلة لطفل فلسطيني نحو أضلاعه أو قد يستدعون لتنفيذ أمر هدم لبيت ما وتفعيل الجرافة لهذا الهدف. ناهيك عن الدورات المعدة لهم لتدريبهم على إطلاق النار باتجاه دمى ترتدي الكوفية والعقال.
مؤلم فعلا ان يضطر المرء لإطلاق النار على أبيه حتى ولو رغب في ذلك! ها أنا أضع الصورة كاملة أمامكم صورة دولتنا وهي تعطي كل ما لديها لمواطنيها العرب! ها هي تقيم ما لا يحصى ولا يعد من المدن الجديدة للعرب ولليهود على السواء. صورة تظهر فيها دولتنا وهي تستنبط الحلول لمعالجة الضائقة السكنية والبطالة لمواطنيها. ها هي الدولة تنادي للعرب واليهودي على السواء اخرجوا للسكن في الجليل الأشم!! اذهبوا وعمِّروا بيداء النقب!!
أود ان الفت نظركم بأنني قرأت قبل مدة إعلانا موجها لليهود والإعلان يقول "أيها اليهودي اعلم انه ليس هنالك خطر بالمرة عليك وفيما لو شغّلت عندك أكاديميا عربيًا".
في حَيرة من أمري أنا، فقد صرت لا افهم ماذا يريد العرب في إسرائيل، استغرب كيف انه لم يحن الوقت عندهم بعد لان يشكروا الله على نعمة عيشهم في إسرائيل، يكفي أنهم لا يعيشون في سوريا حيث يذبح الأخ أخاه فنحن هنا على الأقل ننكّل وننغّص حياة شعب آخر!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لكي لا نفقد البوصلة

featured

الصراع على الأرض صراع على الوجود

featured

إنهاء الانقسام.. مجرد أوهام؟

featured

ثورة ثورة حتى النصر

featured

يوم المرأة، تحيّة ومساواة وحريّة

featured

بيبي وسارة بلاء لا رحمة فيهما

featured

إضاءات ومواقف للمربِّي المرحوم نمر مرقس

featured

هل ستبقى التوراة تحكم العالم؟