صباحات ثلاثاء من التفاؤل

single


-1-
حضرة الكاتب الفاضل سهيل عطالله، في مثل هذا الوقت قبيل عقود مضت، قمت بزيارة قريبة لي تعيش وتحيا مرحلة سن الجمل.
وللتعريف والتوضيح لهذه المرحلة يا اخي، تسبقها مراحل ثلاث. الاولى منذ ولادة الطفل حتى العشرين، وتسمى سن الغزال، لما للمولود من رعاية وعناية ودلال. والمرحلة الثانية، من العشرين حتى الاربعين، وتسمى سن الحمار، لانها مرحلة الكد والجد والتعب لبناء البيت والخطوبة والزواج وتربية الاطفال. والثالثة وتبدأ من الاربعين حتى الستين وتسمى سن الكلب، يعوي ويعوي.
أرجو  المعذرة كدت انسى اكبر هذه المراحل سنا واكثرها صبرا (جمل المحامل) الذي يسرك بأنيابه من كثير من المواقف، وكثير من المناظر التي لا ترضيه.
ومع اني ابتعدت عنه وطال البعد، وما كنت أوثر أن يطول بي الحديث لكني على بعد امتار من المدخل الرئيسي، حيث تقيم العجوز آخر حياتها. وبالطبع من غاب وحضر وكأنه ما غاب. نعم ها انا على العتبة، ولم تشعر اني التصق بالباب، المدخل الرئيسي، وبانتظار الدخول، لانها كانت تفرغ صدرها المشبع بالهموم والاحزان على فراق اخواتها المشردات في سوريا ولبنان، وشعبها الممزق في الضفة والقطاع، والمبعثر في كل بقعة من بقاع الدنيا.
يوم الثلاث اشَيلو من الدار
خلو بهذا القلبْ شعلة نار
ليت الثلاثا  عُمرَ ما تيجي
لو نقصوا من كل جمعه نهار

-2-
ما ان اكملت نواحها حتى فاجأتها بقرع الباب والدخول الى غرفتها.
صحت: يا حاجة، عرفت صوتي وأهلت بي وسهلت: أهلا بابن الحبايب، يا مئة هلا.
قلت لماذا تبكين ؟ قالت: عليهن.
وما ذنب يوم الثلاثاء؟ قالت: انه يوم شؤم يا ابني، واكملت حديثها: في هذا اليوم، كنا نتشاءم ان نفصل ملابس العرسان او نعين الخطوبة او الاعراس، وفي هذا اليوم تشردت الاخوات الثلاث الى غير رجعة. كانت الحاجة تشرح لي وفي نفس الوقت تغرق في دموعها: دموع الغياب الطويل عن الاهل والوطن، دموع حبل الوصل الذي انقطع بينها وبين اخواتها، الدموع على تلك الايام التي مضت وانقضى عهدها.
ومع اني كنت اطمئنها: لا يضيع حق وراءه مُطالب.
الا انها قاطعتني: لا رجوع بزماني ولا بزمانك. ثم ودعتها وعدت الى المكان الذي انطلقت منه.
وفي الطريق سالت نفسي كثيرا هل صحيح ان يوم الثلاثاء يوم شؤم، او انها خرافات فلاحين لا اول لها ولا آخر؟ مع ان استاذنا الكاتب سهيل عطا الله حوّله الى يوم تفاؤل وأمل ونور يضيء العتمة في صدورنا وصدور ابنائنا واحفادنا !

-3-
فإذا كان يوم الثلاثاء يوم شؤم بالنسبة لاسلافنا، فليس من المبالغة في شيء ان أكثر قراء الاتحاد، اول ما يتناولون من زواياها بعد المرور على عناوينها مرور الكرام، زاوية صباح الخير في الصفحة الاخيرة من الجريدة. لأن كُتابها على مستوى يشار اليهم بالبنان من المعرفة والمسؤولية.
واذا تشاءم اسلافنا من هذا اليوم، لكن اولئك العاملين بدهائهم وحنكتهم وفطنتهم وأصالتهم في الادب وعلم الاجتماع، زرعوا في نفوسنا الشهية لتناول الاتحاد يوميا، مع تناولنا وجبة الفطور الصباحية. وهنا لن انسى عشق استاذنا سهيل عطا الله لجريدة الاتحاد ورشها بأغلى العطور صباح كل يوم ثلاثاء. وأغلى التحيات لزملائه في هذا المجال اذكر منهم محمد علي طه، رشدي الماضي، و د. فؤاد خطيب وغيرهم. كما ارجو المعذرة ممن غاب حضورهم في هذه المقالة المتواضعه لانهم كُثُر.
ومع تقديري واحترامي للجميع كان من الاجدر ان يكون حفل التكريم لاستاذنا سهيل عطا الله في اليوم الذي سطع نوره وانجب فرسانه الثلاثة، عسى الله ان يزيدهم عددا وعُده لوطننا وامتنا آمين آمين.
على كل حال، مبروك مبروك حفل تكريمك. حفل التكريم يدل دلالة واضحة، ان شعبنا الفلسطيني الذي تمسك بوطنه، وظل فيه يفلح ويزرع ويبني ويتزوج وينجب الاطفال ويهتم بتعليمهم مثلما يهتم بتحضير لقمة العيش، هذا التكريم يشير الى يقظة ووعي وصمود شعبنا ومواجهة أعتى قوة تحاول قلعنا من وطننا. لكن هيهات هيهات ما فات مات!
والى جانب هذا التكريم اهنئ الكاتب سهيل بصدور الكتب الثلاثة من حديث الثلاثاء:
لا طمعاً بمال، ولا حباً بجاه، ولا رغبةً منه بامتلاك هذه الزاوية الهامة وحده دون الآخرين.
انما ضناً منه، لو بقيت محصورةً  بالصحف، قد لا يكون للأجيال القادمة نصيب منها لا في قليل ولا في كثير. وقد لا تحفظ في المكتبات كالكتب، فيأكلها العث. وكون الكاتب يحب وطنه وعروبته ولغته الجميلة، وصفاء انسانيته، فقد حمّل نفسه جهدا على جهد في تهيئة وتحضير هذه المقالات للجريدة ثم رَبَطها بكتب مرتبة مع كثير من العناية والاهتمام ليقرأها وينتفع بها الآلاف من الناس.

-4-
ومن اعالي منطقة الخضر والجلسة وجبل المغر، ومن سلسلة جبال الجليل، التي تضطجع في حضنها قرية دير الاسد بلد شيخ الزجالين الفلسطينيين ابي السعود الاسدي، من ارضنا الطيبة ذات التربة الحمراء، ومن منطقة المختار، المنطقة الشمالية الغربية،من دير الاسد، المطلة على مدن حيفا وعكا ونهاريا، وقرى: الجديدة، المكر، جولس، يركا، يانوح، من هذه الارض الطيبة ابعث لحضرة الكاتب عطر زهور اللوز والنكترينا الحمراء والصفراء والخوخ والاكدنيا، واطيب روائح النباتات متعددة الاشكال والالوان في ثوب الربيع الذي نحن فيه هذه الايام، متمنيا له الصحة والعافية والعمر الطويل.
كذلك ابتهل الى الله العلي القدير ان يوفق استاذنا بأن يتناول ابناء شعبنا هذه الكتب القيمة لمراجعتها والاستفادة منها ما وجدوا لذلك سبيلا، (وتمشيا مع التعامل الجوهري) "خذ وادفع" وليس كما هو متبع في هذه الايام (الشكر الجزيل وكفى).
ومن الجدير ذكره ان كثيرا من كتابنا العرب حين طبعوا وعرضوا كتبهم لجماهيرنا وقعوا بين امرين، اما ان يهدوا كتبهم، او ان تكدس في بيوتهم وبالحالتين يتعرض الكاتب للحصار من اليأس، والملل، والخمول الفكري.
أجل،  لماذا المزارع الذي يزرع حقول الفواكه والخضروات لا يعطي محصول الموسم تبرعا لقاء كلمة شكر؟ ولماذا في حقول الصناعة لا هدايا ولا تبرعات؟ واي الحقول تستحق اخذ الثمن عاليا وبسخاء؟
اليست هي التي تغذي العقل والقلب والحس واللسان؟!
والى الأمام في طريق النجاح..




(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لرفع نسبة التصويت بين الجماهير العربية !

featured

بين العنف والاغتراب

featured

النهب بذريعة "التصرّف"!

featured

ردّ على "كل العرب"

featured

قرش شدمي الجديد

featured

ولكن الرئيس لا يجيب..!

featured

"نتقاتل مَن يحرس بوابة السجن لإسرائيل"؟!