- خيط عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم لم ينقطع، فان ابن كويكات وعمقا والبروة والغابسية وكل أهالي وسكان الـ (530) قرية فلسطينية التي جرى هدمها وتشريد أهلها، تراهم قابضين على جمرة ولهفة العودة
//
حقيقة ملموسة بان الشعب الفلسطيني من أكثر الشعوب على وجه الأرض، توقًا للسلام والحرية، وإلقاء تحية السلام برأس شامخ مرفوع الهامة ومنتصب القامة. ولأنه من أكثر الشعوب التي عانت الظلم والطغيان والقتل والتشرد والحروب وسفك الدم، على يد جبابرة القرن العشرين والواحد والعشرين، من الإسرائيليين بدعم الأمريكيين وبعض مجروراتهم في المنطقة. فكل قرية وخربة وتجمع سكاني فلسطيني من بين (530) قرية جرى تشريد أهلها أو سكانها وأحيانًا كثيرة جرى ارتكاب مجزرة فيها وهدم بيوتها بالكامل في عام النكبة، تحتاج إلى الطمأنينة والسلام سلام الاعتراف – بما حدث من هدم وقتل وتشريد في عام 1948 من قبل العصابات الصهيونية الإرهابية والجيش الإسرائيلي والاحتلال الصهيوني. عندما يطلب المشردون واللاجئون السلام إنما يطلبونه ليس لهم وحدهم، وإنما لغيرهم وللأجيال القادمة من بعدهم سواء كانوا فلسطينيين أو إسرائيليين أو عربًا أو يهودًا.
التقينا على المساحات المختلف عليها، هي نفس الأرض السهلية المنبسطة والممتدة شمالا وجنوبًا لقرية كويكات العامرة ذات مرة، والتي تسمى اليوم (بيت هعيمك) في القاموس الصهيوني، كانت قد استضافت أرضها وتربتها الحمراء الفلسطينية العربية مسيرة العودة في 26/4/2012 والتي تحمل رقم 15 في سلم المسيرات الوطنية لقرى الوطن الفلسطيني المهجرة.
كانت المساحات الكبيرة والطويلة الممتدة والمنبسطة، في كل الاتجاهات، تزينها الشوارع المرصوفة بالكركار، تشكل حدثًا وعنوانًا ومكانًا عربيًا فلسطينيًا لعدد لا بأس به من أبناء كويكات مع اخوانهم من البواسنة والكفارسة لممارسة الرياضة الحرة والجري السريع وإشباع الجسم الرياضي المتكامل بالهواء والنسمات التي تنعش الذاكرة الفلسطينية المنبعثة من الأرض والبساتين المنتشرة في هذه البقعة الغالية من الأرض الفلسطينية التي يطلق عليها كويكات. كان الملتقى في منتصف الطريق. ابن كويكات المهجرة وهو ابن (بيت هعيمك) المستوطن الذي هبط علينا من آخر الدنيا، اغتصب الأرض وشرد أصحابها وأقام بيته على أنقاض بيتي، هدم وقلع وحرث مزروعاتي من قمح وشعير وذرة وأقام له مزرعة واحضر معه شجر الكينا والافوكاتو وليتشي وغيرها. ألقى على مسامعي تحية السلام (شالوم)، كان جوابي في منتهى السكينة سلام لك.. ومضى كل في طريقه نحو تحقيق هدفه. قلت في نفسي أي سلام وهل هذا يعرف معنى السلام. عامل السبعة وذمتها ويطرح السلام.. يسرق البسمة من أهل بلدي ويطرح السلام. فماذا لو عرف أهل كويكات القاطنون قسرًا في مخيمات الشتات واللجوء في برج البراجنة وغيرها، ان هناك إسرائيليًا مستوطنًا جاثمًا على ارض كويكات يطرح السلام، هل يصدقون أم يكذبون أم عساهم ماذا يفعلون ربما يضحكون مثلما ضحكت الصهيونية والاستعمار والرجعية وتلاعبوا وتقاسموا الأدوار فيما بينهم، على اللاعب الممتاز الذي استوعب الدرس سريعًا، وأصبح يشكل حجر الزاوية ممسكًا بجميع الخيوط، فيما يحاول اللاعبون الآخرون قطع بعض الخيوط. لكن اللاعب الممتاز يُحسن التمسك بالخيط القوي والمتين الذي لا ينقطع، وهو خيط السلام العادل القائم على الانسحاب الكامل وإنهاء الاحتلال كليًا والى الأبد وجعل القدس عاصمة ولا بديل عنها كعاصمة لفلسطين، ان خيط عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم لم ينقطع، فان ابن كويكات وعمقا والبروة والغابسية وكل أهالي وسكان الـ (530) قرية فلسطينية التي جرى هدمها وتشريد أهلها، تراهم قابضين على جمرة ولهفة العودة إلى الوطن ولا بديل عن خيط العودة ولا يقبلون بغيره ولا عودة إلا عبر المسلك الذي ساروا عليه قبل 64 عامًا، حين لاحقتهم العصابات الصهيونية وفتحت لهم خيوط الجهات الى الشرق والشمال إلى الأردن وسوريا ولبنان، ويجب احترام أصرارهم بالعودة عبر نفس خط وخيط الرحيل والتشرد الذي شردوا ورحلوا منه.
أكملت طريقي وأنا استنشق هواء بلدي والعرق يتصبب مني، وأنا أتمتم وأقول في نفسي سلام لكِ يا كويكات يا ارض أجدادي، سلام لك يا الياس، ومحمود وأبو رائد وأبو تيسير، سلام لك وعليك يا كل بيت وزقاق في حارة وطريق ترابية، سلام لكِ يا عين الماء وسيدنا القريشي والمدرسة الكوكانية سلام على معلميها وطلابها. سلام على البيادر الشرقية، على مختار القرية. سلام لكل المناضلين من أبناء كويكات ومن جميع أحرار العالم وللشعب المعذب الصابر الصامد الحالم التواق للعودة في يوم ما رغم انف الصهيونية والامبريالية والرجعية أعداء الشعوب والإنسانية.
كنت قد قطعت أكثر من عشرة كيلومترات، وأنا أجوب تلك المساحات الطويلة ذات التربة الحمراء من ارض كويكات الغالية، إلا إن ذاك الساكن فيها رغمًا عني قطع حبل أفكاري وأدخلني في حوار ونقاش مع ذاتي بطرقه السلام غير المتكامل وسلام الراكب على المركوب، سلام الباطل على الحق. قلت في قرارة نفسي والحق يطاردني وأنا أخطو خطوات سريعة خبطة قدم على الأرض الكوكانية الفلسطينية، لن تنهار قيمي وأفكاري ومبادئي لن اسمح لذاك الساكن في ارضي وبلدي وبيتي رغمًا عني، عليَّ إفهامه وإقناعه بان الأرض الفلسطينية لا تعرف إلا أصحابها الشرعيين، أما أنت فوجودك غير شرعي وغير قانوني وغير إنساني، وإذا أصر على التمسك بالبندقية والقوة على اعتبار مبدأ شرعية القوة وليس شرعية الحق والمنطق، عندها سأتمسك بالمقابل بغصن الزيتون رمز الخير والسلام العادل القائم على قوة الحق ولا شيء سوى الحق الشرعي والطبيعي والتمسك أكثر والمطالبة أكثر بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي أصبح هذه الأيام يكيل بمكيالين منذ ان أصبح العالم يسوده نظام القطب الواحد.
إن الشرع الدولي ينص ان من حق من تنهب أرضه وممتلكاته ويهدم بيته ويشرد منه، إن يقاوم الغازي والمحتل بكل الأساليب والوسائل المتاحة له بما فيها المقاومة المسلحة. وقد يطرح السؤال التالي من الكوكاني المشرد على الساكن الجديد رغمًا عنه حول إمكانية العيش المشترك وان الأرض الكوكانية تتسع لكليهما وبين استعداد ذلك الغريب الأجنبي بإدخالي غلاف أراضي بلدي كي تصبح حياتنا مشتركة، نلغي دهرًا من الهزيمة والكراهية والحقد والعنف والحروب؟ كالعادة يكون بالنفي المطلق، لان ايديولوجيا الصهيونية لا تؤمن بمبدأ الاخوة والتعايش، فالنزعة المتطرفة العنصرية القائمة على أساس ان اليهود هم شعب نخبوي اختاره الله عز وجل اختيارًا حرًا من بين كل الشعوب والأمم، ولذلك من الصعب العيش مع الاغيار (أي العرب). وقد بنى منظرو الفكر الصهيوني لشعبهم مقولة انهم شعب الله المختار وان فلسطين ما هي إلا ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض. هذه المقولة بالذات تنسف كل إمكانية جماعية وفردية للعيش المشترك، وتظهر الباطل في صورة الحق الإلهي الغيبي الموعود به للشعب اليهودي من بين كل الشعوب والأمم، مما يعني في القاموس السياسي الصهيوني، إلغاء أو شطب الحق الوجودي التاريخي والقومي عبر مئات السنين للشعب الفلسطيني على ارض فلسطين التاريخية.
غابت شمس ذلك النهار، عن بلدي كويكات، بعد ان كحلت عيني ودغدغت أفكاري، وتنسمت بنسائمها واستنشقت عبير أشجارها وثمارها وودعتها على أمل اللقاء معها غدًا لأننا دائمًا على موعد.
سلام لكِ ومساء وصباح يا كويكات.
(كويكات / أبو سنان)
