الاستقلال والمَشاوي

single
أقفُ على ناصيةِ السَّادسة والعشرين من عُمري، ومازلتُ أبحثُ، دونَ كَللٍ، عن إجابةٍ شافيةٍ حولَ الفرقَ بينَ وجبةِ المَشاوي ووجبة "الملوخيّة" البلديّة أو "المجَدّرة" مع السَّلطة العربيّة أو "المحاشي" بأنواعها كافّة.
فلماذا يُلامُ العربيّ إبنُ الجليل أو المثلّث أو النّقب أو السّاحِل، إذّ إختارَ شَيَّ اللّحوم مع البصلِ والبندورة في يومٍ يكونُ فيهِ كافة أفراد الأُسرة بعُطلةٍ غير مختارة، كيَوم "الاستقلال" - النَّكبة، بينما لا يُلام هذا العربيُّ نفسُهُ إذّ تناولَ طبقًا مِن "المحَمَّر" أو كوبًا مِن الحساءِ السَّاخنِ و "البطاطا المقليّة". فما الفَرق مثلًا بينَ شَي اللّحوم على الفحمِ أو "حَوسَها" مع زيتِ الزَّيتون والثّوم واللّيمون في يومِ "الاستقلال" - النَّكبة؟ لماذا بعضُنا، يُفسِّر شيَّ اللّحوم كاحتفالٍ بِعيدٍ لا شأنَ لنا بهِ "ولا يحزَنون"؟
فالعلاقة الطرديَّة بينَ شيِّ اللّحوم والفَرح "كُلّما كانت كميَّة اللّحوم المشويَّة أكبر، يكونُ الفرحُ أكبر"، عليها أن تندثِر من أفكارِنا المُشوَّشة أصلًا، وعدم الاحتكام إلى "سيخِ" اللّحمِ في تصنيفِ النَّاس وطنيًّا.
أُدركُ تمامًا بأنَّ الفلسطينيّ يُعاني من شحِّ الفرحِ والمرحِ والابتسامة، كما يُعاني من إضطرابٍ في تعريفِ الهُويَّة، خاصةً الوَسطيّين منّا، الّذين لا يُشاركون في الهمِّ الفلسطينيّ ولَم يستطيعوا بالمقابل أن يكونوا إسرائيليّين بامتياز. فلوعة الفلسطينيّ لا يمكن حصرها في مأكلٍ أو مشربٍ أو ملبس، كما لا يجوز أصلًا كَيل  التصنيفات الوطنيَّة إعتمادًا عليها.
 ستأتي ذكرى نكبة جديدة، كما كلّ عام، إحياءً للذاكرة الجمعيَّة وحفاظًا على موروثِنا الثّقافيّ، فبعضنا سيشارك بمسيرةِ العودة وبعضنا سيختار تناول الغذاء مع العائلة وآخرون سيختارون أشياءً أُخرى، لكنّا بمعظمِنا المُطلق لن نشارك باحتفالات الاستقلال، وهذه هي بقعة الضوء في الظّلام الحالِك.
قد يهمّكم أيضا..
featured

منظمة التحرير بين الواقع والمخيلة

featured

باراك، حصان طروادة اقتحم "العمل" لتنفيذ أجندة عسكرية

featured

لا لترهيب أطفال غزة

featured

الناصرة لنا جميعا...

featured

مَهام نضال قوى اليسار