قبل انتهاء حكم الانتداب البريطاني على فلسطين، من سنة 1923-1948، قام بتسليمها للحركة الصهيونيّة وبشكل خاص للوكالة اليهوديّة بزعامة بن غوريون ووايزمن، بدل أن يسلّمها لأصحابها الحقيقيين؛ كما تنصّ الشرائع والقوانين المتعارف عليها عالميّا، خصوصا وأنّ المادة 8 من الاتفاقيّة الرابعة لمعاهدة جنيف؛ لا تجيز للمحميين الفلسطينيين، أن يتنازلوا عن حقوقهم.
لم تقتصر المعارضة لقرار التقسيم في 29-11-1947 على العرب فقط؛ بل كان اليمين الصهيوني بزعامة بيجن من أشدّ الرافضين له، ومن جرّاء ذلك كثّف حملاته السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة الإرهابيّة لإفشال مشروع التقسيم.
ظنّ أجدادنا وآباؤنا أنّ بقاء إسرائيل، وانتصار الأقليّة على الأكثريّة(كانت نسبة اليهود في فلسطين 33%) من المستحيل، ولن تقوم قائمة للكيان الصهيوني... ووجوده مؤقّت وإلى حين "لكم يوم"...، واعتقد الكثير منهم أنّ إسرائيل لا تستطيع أن تحمي نفسها وتصمد إذا استلّ العرب سيوفهم، وسحبوا خناجرهم، ولوّحوا بعصيّهم...
لم تحدث "أمّ المعارك" ولم تسقط إسرائيل؛ بل قامت باحتلال وضمّ أراضٍٍ عربيّة أخرى، وتغلغلت ترابًا وسياسيًا ومخابراتيًا واقتصاديًا ... وربطت مصيرها ووثّقت علاقاتها الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وكانت خير خادم وراعٍ للمصالح السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة الأمريكيّة في آسيا وأفريقيا...لن تسقط إسرائيل من الخارج!
تتسابق الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة، من الديمقراطيّين والجمهوريّين، على رفع مكانة وقدرات إسرائيل في المجالات: العسكريّة والاقتصاديّة والتقنيّة...لتتفوّق على جميع الدول العربيّة مجتمعة، في هذه المجالات. لكنّها فشلت في توفير وضمان هذا التفوّق؛ لأنّها لا تستطيع أن تحمي إسرائيل من نفسها ومن يمينها.
يعتقد اليمين الإسرائيليّ اليوم أنّه امتداد ليمين الأمس الصهيونيّ. يعتقد هذا اليمين أنّ السيرورات الإرهابيّة التي مارسها قبل قيام دولة إسرائيل؛ من تفجير الطائرات في مطار اللد، والحافلات، والقطارات، وسكك الحديد، والسجون (سجن عكا)، ومراكز الشرطة (حيفا) هي التي أفضت إلى قيام الدولة! وأنّ سيروراته الحاليّة هي التي ستثبّت أقدام إسرائيل الكبرى! لذلك نراه اليوم يتمادى بفاشيته وبإرهابه الفكريّ... إلى أبعد من الجماهير العربيّة الفلسطينيّة، في الأراضي المحتلّة وفي إسرائيل، ليصل إلى اليسار والمركز الصهيونيّ.
بعد صعود نتنياهو ليبرمان إلى الحكم كممثلين بارزين لهذا اليمين، قام ممثلو اليمين بتفريغ مؤسسات وهيئات وسلطات الدولة، وبشكل خاص؛ التربويّه والثقافيّة الأكاديميّة والاجتماعيّة والقضائيّة، من كلّ من يفكّر بانتقاد الاحتلال وتبعاته...
من المؤسف أن نشهد الممارسات التعسفيّة من فصل مفتّشي ومسؤولي أقسام وشعب في وزارة التربية والتعليم، من الذين آمنوا على الأكثر بالديمقراطيّة "اليهوديّة" الواحد تلو الآخر، وتعيين دعاة الاحتلال والاستيطان بدلهم، والقيادات العربيّة تلتزم الصمت حيالها وحيال تعاون وموافقة بعض الموظفين العرب في الوزارة على هذه الاعتداءات الضاربة لمكاسبنا التربويّة، نعم هي مكاسب لنا!
هذا الأسبوع تمّ فصل أدر كوهين، مفتّش المدنيات، لأنّه يؤمن بتعقيدات الحياة المركّبة في إسرائيل، ويجاهر بأن هناك اختلافات في وجهات النظر حولها! لذلك يحثّ على عدم تقبّل الأفكار الجاهزة والرواية الواحدة، وعلى البحث والتنقيب عن إجابات أخرى للقضايا السياسيّة المطروحة.
مثل هذه الآراء غريبة عن وزير التربية والتعليم وأعوانه، الذين صادقوا على الاعتراف بجامعة أرئيل في الأراضي المحتلّة، وعلى رحلات طلاب المدارس إلى المستوطنة الكولونياليّة "كريات أربع"، وعلى زيارة الحرم الإبراهيميّ "المحرّر"، ومدينة داود... من أجل تشجيع وتنمية الشعور القومي اليهوديّ.
اليمين الفاشيّ في إسرائيل وأمريكا هو وفقط هو القادر والمؤهّل للقضاء على إسرائيل، و لن يوقف هذا السقوط تعهّدات ودعم الإدارة الأمريكيّة اللا محدود بقيود لإسرائيل؛ فسياسة اليمين هي العُقَاب الذي سيخطف الثعلب الإسرائيليّ عن ظهر الأسد الأمريكيّ!
يحكى أنّ ثعلبا خدم أسدا ليحميه من أهل الأرض. في أحد الأيّام رأى الثعلب عقابا يحوم فوقه، لجأ إلى الأسد فأقعده على ظهره. انقضّ العقاب واختطفه، فأخذ يستغيث: يا أبا الحارث! أغثني واذكر عهدك لي، قال الأسد: أنا أقدر على أهل الأرض، وأمّا أهل السماء فلا سبيل إليهم!
هل يتّعظ العقلاء؟!
