ما سرّ اجترار اﻹفتراءات على تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين؟ (2-2)

single

وحين قرر النظام اﻷردني إجراء انتخابات تضفي الشرعية على ضم الضفة الغربية الى الأردن، كان الشيوعيون وحدهم من تصدى لذلك، وقاموا بحشد مظاهرة جماهيرية في مدينة نابلس في ١٩٥٠/٣/٣١ ضد هذه اﻹنتخابات، أي قبل أسبوع من عملية اﻹقتراع التي جرى تزييفها بشكل صارخ. وقد جرى قمع تلك المظاهرة بمنتهى الوحشية، وجرّ العديد من قادتها، مكبلين وراء سنابك الخيل، مشيا على اﻷقدام من نابلس نحو عمان، ولم يقطع مسيرة العذاب الوحشي هذه سوى وفاة الشاب الشيوعي، روحي زيد الكيلاني، من اﻹعياء على الطريق، في منطقة البادان. وفي صيف العام ١٩٥١، دشن النظام الرجعي اﻷردني معتقل الجفر الرهيب في جوف الصحراء خصيصا للشيوعيين.
وفي أيار ١٩٥١، جرى اﻹعلان عن قيام الحزب الشيوعي اﻷردني، من فرع عصبة التحرر الوطني في الضفة الغربية والحلقات الماركسية في اﻷردن، في ضوء دراسة التطورات التي طرأت منذ ضم الضفة للدولة اﻷردنية عام ١٩٤٨، حيث تداخلت الروبط اﻻقتصادية واﻹجتاعية لمختلف الطبقات اﻹجتماعية في الضفتين، مأخوذ في الحسبان أن أكثر من نصف سكان الضفة الشرقية غدا من الفلسطينيين المهجرين.وبهذا، يكون الشيوعيون الفلسطينيون آخر من اعترف بوحدة الضفتين كأمر واقع. أما إسم الحزب فيتبع، عادة، اسم الدولة بغض النظر عن طبيعتها؛ فمثلا، حين أقام الشيوعيون في السعودية حزبهم فقد حمل إسم الدولة، رغم أنه إسم العائلة التي اغتصبت الحكم في نجد والحجاز بحد السيف. فاﻷهم من اﻹسم، هو البرنامج والنشاط العملي. وفي كانون أول من العام ١٩٥١، اعتقلت الشرطة اﻷردنية قائد الحزب الجديد فؤاد نصار في بيت مطبعة الحزب السرية في عمان. وحين سأله رئيس محكمة البداية، بهجت التلهوني، إن كان هدف الشيوعيين قلب الحكومة، أجابه: بل قلب النظام!. وقد أمضى سني حكمه الطويلة في الجفر، مكبل الساقين ليل نهار
وحين هبط الرئيس التركي جلال بايارعلى اﻷردن، خريف العام ١٩٥٥،لترتيب ضم اﻷردن لحلف بغداد العدواني، على أن يضم هذا الحلف ﻻحقا اسرائيل، على أنقاض القضية الفلسطينية،كان الشيوعيون في قيادة المظاهرات الغاضبة التي أفشلت هذه المؤامرة الرهيبة، وكان أول شهداء هذه المعركة التي امتدت أسابيع،الطالبة الشيوعية، رجاء أبو عماشة، وهي تتسلق ناصية علم القنصلية التركية في حي الشيخ جراح بالقدس. وحين وقع اﻹنقلاب الرجعي المدعوم من واشنطن في نيسان١٩٥٧، بعد فترة انفراج عقب انتخابات حقق فيها الشيوعيون، رغم قانون مكافحة الشيوعية الوحشي، المكان الثاني في عدد اﻷصوات على نطاق اﻷردن..عقب هذا اﻹنقلاب كان المعتقلون من الشيوعيين وأصدقائهم يفوق معتقلي القوى والتنظيمات الوطنية اﻷخرى مجتمعة، حيث أمضوا ثماني سنوات في معتقل الجفر الصحراوي الرهيب.
وحين أعلنت حركة فتح، في الفاتح من العام ١٩٦٥، بدء عملياتها الفدائية داخل اﻷراضي اﻹسرائيلية، كان أول المعترضين على ذلك جمال عبد الناصر، خشية أن تجرّه هذه العمليات الى مواجهة عسكرية مع إسرائيل قبل اكتمال اﻹستعدادات لها.وهذا ما وضع حركة القوميين العرب  التي كانت تتماهى مع برنامج عبد الناصر القومي، في مأزق، فلا هي تريد تحدي موقف عبد الناصر، وﻻ تريد في الوقت ذاته، ترك الميدان لفتح وحدها تستقطب عطف الشارع الفلسطيني؛ وكان "الحل" تبني شعار: "فوق الصفر ودون التوريط".

وبعد احتلال إسرائيل لبقية اﻷرض الفلسطينية، في حزيران ١٩٦٧،هبّ الشيوعيون، رغم تعرضهم، حينها، لحملة اعتقاﻻت متجددة.. هبوا لمقاومة اﻹحتلال والحيلولة دون هجرة جماهيرية على غرار العام ١٩٤٨؛ بل وأفلحوا في إعادة الكثيرين ممن نزحوا الى اﻷردن، قبل أن يحكم اﻹحتلال إغلاق ممرات التسلل عبر النهر.مستخلصين من تجربة هجرة العام ١٩٤٨ المريرة، أن الصمود في أرض الوطن هو حجر الزاوية في النضال ﻹفشال أهداف المشروع الصهيوني النهائية. وفي ١٩٦٧/٨/٧، أي بعد شهرين فقط من وقوع هذا اﻹحتلال نظم الشيوعيون  وحدهم ودون مشاركة أية قوة أخرى أول إضراب سياسي ضد اﻹحتلال في مدينة القدس التي أعلن المحتلون ضمها لدولتهم، وإثر هذا اﻹضراب مباشرة  أفلحوا في تشكيل لجنة توجيه وطني ضمت الى جانب الحزب شخصيات وطنية على رأسها الشيخ عبد الحميد السائح، أسهمت في إيقاف نزيف الهجرة ورفع معنويات المواطنين وتنظيم عدد من أعمال المقاومة الشعبية ضد اﻹحتلال. وبعد أن أفلح اﻹحتلال في تفكيك هذه اللجنة باﻹبعاد واﻻعتقال، عاود الشيوعيون في اﻷرض المحتلة، في النصف الثاني من العام ١٩٧٣، السعي ﻹقامة جبهة وطنية أوسع تمثيلا وأطول عمرا،  باﻹتفاق مع قيادات كل من فتح والشعبية والديموقراطية في بيروت. وقد شكّل الشيوعيون في الضفة،الى جانب الجبهة الوطنية، منظمة عسكرية خاصة بهم؛ وكانت استراتيجيتهم، حينها،هي تصعيد النضال الجماهيري، ليتتوّج بانتفاضة مسلحة. لكن اﻹحتلال أفلح في العام ١٩٧٤، في ضرب الجبهة الوطنية، وكذلك منظمة الشيوعيين العسكرية، مستفيدا من بعض اﻷخطاء التنظيمية الخاصة بالفصل التام بين الجناحين السياسي والعسكري، بعد أن قامت هذه المنظمة بعدد من العمليات ضد اﻹحتلال. وفي العام ١٩٦٩ أقام الحزب الشيوعي اﻷردني بالتعاون مع اﻷحزاب الشقيقة: العراقي والسوري واللبناني فصيل اﻷنصار السلح. ومنذ العام ١٩٧٤، راح الشيوعيون في الضفة الغربية يعملون تحت إسم "التنظيم الشيوعي الفلسطيني".

وحين دعا موشي ديان،عام ١٩٧٦، ﻹجراء انتخابات للمجالس البلدية والقروية، في اﻷراضي الفلسطينية المحتلة، بغرض أضفاء واجهة "ديموقراطية" مزيفة لإحتلاله، تلقف الشيوعيون الذين تفردّوا بتواجد ثقلهم اﻷساسي في الداخل،هذه الدعوة ودعوا الى المشاركة في هذه اﻹنتخابات  لقلب هدف ديان من  ورائها، وهذا ما كان. وقد أقنع الشيوعيون  كلا من فتح والديمواطية للمشاركة في هذه اﻹنتخابات، بينما بقيت الشعبية رافضة لذلك. ومعلوم كيف تعامل اﻹحتلال مع نتائج هذه اﻹنتخابات التي شكلت انتصارا  مدويا، تحوّلت بموجبه البلديات الجديدة الى قلاع أمامية لجبهة وطنية عريضة ضد اﻹحتلال. وحين اندلعت اﻹنتفاضة اﻷولى، خريف العام ١٩٨٧، كان الشيوعيون أحد القوى الرئيسية اﻷربعة التي شكلت قيادة تلك اﻹنتفاضة، وفي أطار نشاطاتها لعب الشيوعيون، الذين كانوا القوة اﻷولى في التنظيمات النقابية والمهنية دورا طليعيا في مبادرات العمل التطوعي الخلاقة.
وفي الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، دخل الحزب الشيوعي الفلسطيني منظمة التحرير وتمثل في هيئاتها كفصيل رئيسي، اعترافا بدوره المتميز بالنضال ضد اﻹحتلال داخل اﻷرض المحتلة، ولدوره الفعال في إستعادة الوحدة لمنظمة التحرير، في تلك الدورة التاريخية.


قطاع غزة:

من المعلوم أن هذا القطاع خضع، منذ العام ١٩٤٨، لحكم عسكري مصري. وقد عانى فرع عصبة التحرر الوطني فيه من مطارة بوليسية شرسة ومتواصلة، سواء في ظل الحكم الملكي أو من نظام عبد الناصرالذي اتخذ موقفا معاديا للأحزاب. ومنذ العام ١٩٥٣، تحوّل فرع عصبة التحرر الوطني في القطاع الى "الحزب الشيوعي الفلسطيني - قطاع غزة". وحين جرت، أوائل العام ١٩٥٥، محاولة إسكان اللاجئين الفلسطينيين، الموجودين في القطاع، في سيناء المصرية، كان الشيوعيون في القطاع على رأس اﻹنتفاضة الشعبية العارمة التي أفشلت هذا المشروع الذي وقفت من خلفه الوﻻيات المتحدة وإسرائيل، وكانت هذه اﻹنتفاضة أحد العوامل التي أسهمت في حسم عبد الناصر موقفه المتردد، ليندفع في طريق معاداة اﻹمبريالية بجميع أشكالها وحليفتها الصهيونية.
وحين وقع اﻹحتلال اﻹسرائيلي اﻷول للقطاع، في إطار العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر عام ١٩٥٦، ثم اﻹحتلال الثاني في حزيران ١٩٦٧، كان الشيوعيون في القطاع في الصفوف اﻷولى من قوى المقاومة، الشعبية والمسلحة، وقدّموا الشهداء في هذه المعارك.من جانب آخر، توحّد الشيوعيون في القطاع مع رفاقهم في الضفة عقب اﻹعلان  عن قيام الحزب الشيوعي الفلسطيني، في شباط ١٩٨٢.


إسرائيل

كانت عصبة التحرر الوطني، منذ اندﻻع أعمال اﻹحتراب عقب صدور قرار التقسيم مباشرة، تدعو الجماهير الفلسطينية للثبات على أرضها؛ ومن هنا كانت نسبة القادة من هذه العصبة الذين بقوا داخل المناطق التي غدت إسرائيل أعلى منها في الضفة والقطاع. من جانب آخر، فالشيوعيين اليهود، الذين توحّد معهم فرع عصبة  التحرر، واصلوا، حتى صدور قرار التقسيم المناداة بدولة فيدرالية، ثنائية القومية، وضد تقسيم فلسطين شأن الشيوعيين العرب في هذه النقطة، وذلك حتى صدور قرار التقسيم، الذي وافقوا عليه. وبعد قيام دولة إسرائيل، كانوا وحدهم في الشارع اليهودي، الذين ينادون بقيام الدولة الفلسطينية في حدود التقسيم وبحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة ؛ والوحيدون  داخل إسرائيل الذين أمكن العمل معهم  في النضال لخدمة اﻷهداف السالفة الذكر، وفي الدفاع عن اﻷقلية المشتتة من الفلسطينيين التي أفلتت من التطهير العرقي، لكنها تعرضت، ومنذ اللحظة اﻷولى ﻷقصى ظروف التمييز واﻹضطهاد وعنوانه الرئيسي الحكم العسكري العنصري الذي جرى فرضه على السكان العرب  وحدهم، حتى العام ١٩٦٦.
وفي مؤتمر الوحدة الذي انعقد في مدينة حيفا، تشرين أول ١٩٤٨، تلا إميل حبيبي بيان العصبة لهذا المؤتمر (البيان مكتوب بخط يد إميل نفسه)، وقد جاء فيه: "إن عصبة التحرر الوطني تقترح أن تحلّ نفسها في دولة إسرائيل فقط وأن ينضمّ أعضاؤها الى الحزب الشيوعي اﻹسرائيلي. أما في المناطق الخارجة عن حدود دولة إسرائيل، أي في المناطق الواقعة تحت اﻹحتلال اﻹسرائيلي وتحت إحتلال جيوش الدول العربية فعصبة التحرر الوطني ستحافظ على تنظيماتها باﻹستقلال عن الحزب الشيوعي اﻹسرائيلي ولكنها تتعاون في الوقت نفسه مع هذا الحزب. إن عصبة التحرر الوطني في مناطق اﻹحتلال ستعمل أيضا على تنظيم نفسها على أساس إقليمي وعلى أساس النضال في سبيل إقامة الدولة العربية. إن منظمات عصبة التحرر الوطني في الناصرة وعكا ويافا وغيرها من المدن والقرى العربية التي تحتلها القوات اﻹسرائيلية ستحافظ على تنظيمها وعلى وحدتها المركزية مع عصبة التحرر الوطني في القسم العربي من فلسطين".
واليوم، يتبدى من حصاد التاريخ مستوى حكمة الشيوعيين في قيادة تلك الفلول من الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل، في ظروف بالغة التعقيد. ذلك أن أي تهور، في قيادتها، وراء شعارات المزاودة  الفارغة، كان كفيلا بتقديم الغطاء لحكام إسرائيل ﻻستكمال عملية التطهير العرقي التي يتلهفون عليها، لطرد البقية الباقية؛ وأي مهادنة لسياسة هؤﻻء الحكام العنصريين تقود الى ذوبان هذه اﻷقلية الفلسطينية في المشروع الصهيوني. كانت مهمة هذه القيادة أشبه بالسير على حبل رفيع. ولحكمة هذه القيادة يعود الفضل بتحوّل تلك الفلول الى أقلية قومية فلسطينية مناضلة، متمسكة بلغتها وتراثها وانتمائها، تمثل، اليوم، شوكة في حلق المشروع الصهيوني ﻻ يدري كيف الخلاص منها. قال الشيخ رائد صلاح ذات مرة، على شاشة التلفاز، إنه "لوﻻ صحيفة اﻹتحاد لنسينا اللغة العربية"، وطبعا ﻻ يمكن اتهام هذا الشيخ بالعطف على الشيوعية. ولم يكن من باب الصدف أن شعراء المقاومة، من محمود درويش الى سميح القاسم، الى توفيق زياد، الى سالم جبران وغيرهم وغيرهم، جميعا تخرجوا من مدرسة الحزب الشيوعي. وكان قادة هذا الحزب هم أول من اقتحم كفرقاسم، مباشرة عقب المذبحة المروعة التي ارتكبها الجيش اﻹسرائيلي ليلة بدئه العدوان على مصر عبد الناصر خريف ١٩٥٦. اما اﻷطر التي أقامها الشيوعيون لتنظيم الجماهير العربية في النضال ضد الحكم العسكري واﻹضطاد العنصري ودفاعا عن اﻷرض، فتغطي مختلف اهتمامات هذه الجماهير؛ كان من بداياتها، أوائل خمسينات القرن الماضي تشكيل الجبهة الشعبية ضد الحكم العسكري الخانق على القرى والبلدات العربية؛ وتشكيل إتحادات للطلبة الثانويين والجامعيين ؛ ولجنة المبادرة الدرزية ؛ وجبهة الناصرة التي أفلحت نهاية العام ١٩٧٥ في تحرير هذه القلعة العربية، وﻷول مرة، من حكم عملاء النظام وما أحدثه هذا اﻹنتصار من تداعيات على نطاق البلاد كلها؛ وتأـسيس الجبهة الديموقراطية للسلام والساواة؛ ولجنة المتابعة العربية؛ وأخيرا، وليس آخرا تشكيل القائمة المشتركة ﻻنتخابات الكنيست، والدور المميز للشيوعيين في تشكيلها وقيادتها؛ عدا كل ذلك، كان الشيوعيون هم من صنع وقاد أول انتفاضة جماهيرية في العام ١٩٥٨، في سبيل المساواة القومية والمدنية وضد الحكم العسكري ومن أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين، هذه اﻹنتفاضة التي تحوّلت الى أكبر مواجهة مع شرطة النظام، جرح واعتقل فيها المئات وكان على رأسهم القائد الشيوعي توفيق زياد؛ ويوم اﻷرض الخالد الذي تمهّر بدماء الشهداء ليدخل التاريخ، وغيره وغيره..
وأخيرا، يقول الشاعرالعربي: /أقلّوا عليهم ﻻ أبا ﻷبيكمو   من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا/ فهل العدميون المزاودون بالشعار الفارغ، أهل لسد مكان مهما كان حجمه مما سدّه الشيوعيون في خدمة قضية شعبهم المقدسة؟! (انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عن "الاتحاد" وعن "سميح القاسم"

featured

وعد الحر دين!!!

featured

لتتولَّ القائمة المشتركة دور المعارضة الأمامية لحكومة اليمين العنصرية

featured

لن يُهزم العنف بمواصلة السبات الجماهيري!

featured

قراءة لانتخابات بلدية الناصرة - (4-أ): عــاد بخُــفّي حُـنـَيـْن...

featured

الشبيبة الشيوعية البوصلة الصحيحة للجيل الشاب

featured

نَشْوَة، شماتة، استعلاء وإنصاف

featured

تكريم شخصياتنا العربية في البلاد