كان الجو ربيعيا– وسحب رمادية كثيفة تتبلد في السماء. ومع غروب الشمس وظهور الشفق بلونه الأحمر البرتقالي تربع أبو محمود بجسمه الضخم ومنكبيه العريض بقمباز الصوف الأسود الفاخر بخطوط بيضاء.
على جاعد من جلد كبش غنم، وامامه كانون النار بلونه الأصفر الذهبي اللامع الممتلىء بجمر الفحم من قرامي السنديان، ولهب خفيف يتلوى يتصاعد من بين الجمر، وطقطقة جمرات الفحم تتوالى تلفظ شرارات تتطاير حول الكانون. تهاجم من حولها، لا ينجو قمباز أبو محمود من عدوانيتها فيسارع ويصرعها قبل ان تفترس سرواله الأبيض فتترك فيه ثقبا اسود. تحاشيا لعدوانية الشرر خلع كوفيته وعقاله، وظل حاسر الرأس يلعن السنديان وفحمه. وظل على هذه الحال حتى هدأ انفلات الشرارات وصارت جمرًا أحمر ترضي بالسكينة والاستقرار بوهجها الساخن.
تناول أبو محمود جراب القهوة بلونه الأسود القريب منه المعلق بجدار الديوان وحفن منه حفنتين، من البُن من القهوه العدنية خضراء اللون وافرغها في المحماصه المقعرة كالصحن المصنوعه من الفولاذ او النحاس الأحمر الخالص الجاثمة على النار ذات يد نحاسية بطول متر، واخذ يحرك القهوة التي تتقلى في المحماصه على النار بالزلفة المصنوعة من النحاس بطول نصف متر، قضيب من الحديد له رأس مستدير. تنبعث منها فرقعات خفيفة مصحوبة بدخان اسود يحمل رائحة شذية يعبق بها الحي، وظل يقلب حبات البن حتى أضحت حمراء قريبة من اللون الأسود. وضعها على منضدة، حتى خفتت سخونتها قليلًا. تناول جرن قهوة فخم مصنوعا من خشب الزيتون مزخرفا وتجاويف ومربعات واشكال ابدعت في حفرها ورسمها انامل انعم الله عليها بالرشاقة والمهارة. الجرن مرصع عند فوهته بالنحاس الابيض تناول المهباش المصنوع من نفس الخشب، بطول متر ولم تضن اليد والانامل التي ابدعت في حفر الرسومات في الجرن. لترك جمالًا في المهباش.
اخذ أبو محمود يدق القهوة السجينه في الجرن ويضربها بالمهباش، من ساعده اليمنى القوية بأيقاع ونغم معزوفة اهلا وسهلا تفضل فوت، تختلف قوة الضربات أحيانا بين قوية وخفيفة، وتختلف حركات المهباش فيخبو النغم ثم يعود ويرتفع وان اختلفت الضربات، يظل النغم يصدح بموسقاه على ايقاع اهلا وسهلا تفضل فوت . تتناغم الموسيقى مع رائحة البن الشذية، التي تتصاعد وتفوح من الجرن تحت ضربات المهباش.
يظل أبو محمود يضرب حتى يستسلم البن في الجرن فيكف عن الضرب ويطلق سراحها ليغرقها في الدلة يغليها، ويظل يغليها حتى تقذف ما بجوفها وتصبح حثالة لا نفع فيها. فيعفو عنها بابعادها عن النار. يملا الدلة ثم المصب وما يبقى في الدلة يظل احتياطيا في جهوزية عالية تنتظر الاستدعاء.
رفع اذان العشاء وانقضت الصلاة وخرج نزلاء الديوان من المسجد القريب من الديوان – القبو – توافدوا وولّوا خطاهم ووجوهم شطر الديوان. عجّ القبو، وغصّ بالحضور، وجلسوا على فراش من الصوف، وتوسدوا المساند من القش، واخذ أبو محمود يتقدم وهو يعتمر كوفيته التي توجها بعقال مرعز الفاخر الأسود . وبابتسامته العريضة وسخائه الكثير وكرمه العارم وتواضعه الكبير، يحمل الصينية التي يجثم عليها عدد من فناجين القهوة البيضاء، صينية الصنع الفاخر، بيده اليسرى والمصب بيده اليمنى، يصب القهوة السادة عذبة المذاق، لذيذة الطعم يفضل ويرحب بزائرية.
اخذ الرجال يتجاذبون الحديث، عن العنزات وان السنة سنه خير فالعنزات ولدت توائم. أبو العبد يقول فعلاَ سنة خير الزرع والربيع في السهل والوعر للركبة ومن حظ الطرش والحلال. وفي خضم الحديث عن سنة خير رمى أبو عمر علبة الدخان امام الحضور وهو يقول ذوقوا دخان معليا. تحمس ابو سعد ورمى علبته وهو يقول: دخان فسوطة أطيب. رمى أبو قاسم علبته وقال لا معليا ولا فسوطة ذوقوا دخان حرفيش. حمي وطيس النقاش في الديوان حول أي من دخان الثلاثة مواقع اطيب، قطع أبو يحيى المناكفة وهو يزف خبر سمعه حديثًا ان مغارة مشطه مسكونه فيها غولية والداخل اليها لا يمكن ان يخرج منها حيًا.. زرع الرعب بحكايته في نفوس البعض ممن صدق الحكاية والبعض الأخر رفضها وكذبها. ومرة أخرى احتد الجدل بين المصدقين والرافضين وازدات الهرج والمرج. رفع أبو يحيى عقيرته يدافع عن حكايته، ويؤكد صدقها، فتصدى له محمود الموعد رجل في الأربعين من عمره ممتلئ الجسم طويل القامة عريض المنكبين.
قال هذه خرافة كل عمرنا نروح لهناك ما سمعنا ولا رأينا شيئًا من هذا القبيل فتحداه أبو يحيى وقال له: وهل انت زلمة أنت رجل اذا كنت كذلك تفضل وروح وهذه خمس ليرات. تحمس محمود الموعد امام التحدي وقال سأريك انها كذبة وها انا رايح لهناك. اودع أبو يحيى الخمس ليرات مع ابي محمود حتى يعود.
وقال خذ معك قضيب حديد ودقه في المغارة.
نهض الرجل وغادر القبو وعرّج على بيتة اسرج فرسه وامتطى صهوتها ويمم نحو مغارة مشطة مسافة نصف ساعة مشيًا على القدم.
وصل المكان وربط فرسه بجذع شجرة الزيتون تناول حجرًا ودخل المغارة وفي ظلمة المغارة وعتمة الليل دق قضيب الحديد بطرف قمبازه طال الانتظار ومرت السويعات ولم يعد الرجل تزاحمت الهواجس ودخل الوسواس الخناس في النفوس وازداد القلق والتوجس من طول غياب فانتخى أبو محمود بثلاثة من الرجال بين الحضور ليقوموا ويتبعوا اثره، استجاب الثلاثة فنهضوا انتعلو احذيتهم وخرجوا وشمروا قنابيزهم ولفوها حول خواصرهم وغرزوها في احزمتهم وامتشقوا ثلاثة عصي من مركاس الحطم الجاثم باب دار أبو محمود مسلحين بقنديل يدوي. عرجوا اولًا إلى بيت الرجل فقيل لهم- انه ركب فرسه وراح إلى جهة لا يعلمون أي شي. فتابعوا مشيتهم وساروا في الطريق خببًا نحو المغارة وكلما اقتربوا ازدادت الهواجس وتفاقمت التوجسات وازداد اضطرابهم. فتساءل احدهم كيف شكل الغولية ولما لم يحظ بجواب: كنو أبو يحيى قولة صحيح. ولما اقتربوا وشاهدا الفرس تلف وتدور تحت شجرة الزيتون وراحت تصهل وتضرب الأرض بحافرها ازداد اضطرابهم وقلقهم وارتفع وجيب خفقان قلوبهم بحيث صاروا يسمعون الخفقات، اقتربوا من باب المغارة والرعب يهاجمهم وقفوا امام المغارة وفي ضوء القنديل اليدوي شاهدوه وكانت المفاجأه والصدمة. جثة هامدة قد غرز قضيب الحديد في طرف قمبازها.
