- واللي ما شاف من الغربال يا ناصرة 1958 و1975، أعمى بعيون صهيونية
تحل اليوم، التاسع من كانون الأول، الذكرى الـ 36 لانتصار جبهة الناصرة الديمقراطية، في انتخابات بلدية الناصرة (1975)، وتولي شاعر المقاومة والتحدي توفيق زياد رئاسة البلدية على رأس أغلبية وطنية مطلقة، في أكبر مدن شعبنا في الوطن، بعد العام 1948.
فأبعاد هذا الانتصار، لم تنحصر في الانجاز الحزبي تحديدا، بل كانت مؤشرا وثمرة لسلسلة تطورات تراكمية على مدى 27 عاما، حتى ذلك الحين، على ساحة جماهيرنا العربية الباقية في وطنها، ومركز انطلاق أساسي نحو يوم الأرض الأول، الذي دشّن مرحلة جديدة في مسيرة شعبنا، ما كان من الممكن أن تكون لولا مسيرة النضال وعمليات شحن أجيال ما بعد النكبة على مدى سنين، لتكن قادرة على قلب الكثير من المعادلات، التي سعت المؤسسة الحاكمة، ومن فوقها المؤسسة الصهيونية، لفرضها بسهولة على شعبنا، وهذا كلام ضروري في هذه المرحلة، التي تستمر فيها جريمة تزوير التاريخ لغايات حزبية وانتفاعية وارتزاقية.
ففي نهاية سنوات الستين، وبشكل خاص في مطلع سنوات السبعين، تبلور بين جماهير شعبنا جيل ما بعد النكبة، الجيل الذي لم يعش رهبة النكبة ومآسيها، أو كان خلالها طفلا لم يتأثر بما حصل، ولكن هذا الجيل لم يسقط فجأة مشحونا مجندا من سحابات عابرة، ولم تحل عليه الوطنية وروح النضال، بكبسة زر، بل تثقفوا على مدى سنوات حياتهم الأولى على روح وأجواء كفاحية قادها أساسا الشيوعيون، إما بالعمل النضالي المباشر، أو بالتثقيف الكفاحي من خلال منشورات الحزب، وعلى رأسها صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية الكرملية، ومعها مجلتي "الجديد" الثقافية و"الغد" الشبابية.
وهذا الجيل نفض عنه ما تبقى من رواسب رهبة النكبة، مشحونا بروح الاصرار على التغيير، فإما انخرط في الحزب أو تحالف مع الشيوعيين بشكل موضعي أو استراتيجي، وكانت الفرصة السانحة أمام الحزب مجددا لتشكيل الأطر الشعبية والجبهوية الأوسع، بعد تجربة الجبهة العربية الشعبية في نهاية سنوات الخمسين، مع الشخصيات الوطنية، وحركة الأرض، التي لم تدم طويلا.
فكانت الحركات الطلابية في الجامعات والمدارس، وكانت جبهة الناصرة الديمقراطية، التي عمودها الفقري الحزب الشيوعي، والتي مهدت لاقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، في ربيع العام 1977.
وكانت أيضا لجنة الدفاع عن الأراضي، التي ضمت أيضا حركة "أبناء البلد"، التي نسجل لها إيجابا أيضا، رغم خلافاتنا وتباين برامجنا، أنها عرفت كيف تتصرف بمسؤولية وطنية، مع ظهورها في مطلع سنوات السبعين.
وكان انتصار جبهة الناصرة، المحطة الأساسية والرافعة، التي رفعت معنويات جماهير شعبنا، وشجعتها على تصعيد معاركها الشعبية، وفي مقدمتها معركة الأرض، المرتبطة بمعركة البقاء، لذا ليس صدفة ان يوم الأرض الأول كان بعد أقل من أربعة اشهر من انتصار جبهة الناصرة، فالانتصار ويوم الأرض اقترنا باسم القائد الشيوعي الفذ توفيق زياد.
وانتصار جبهة الناصرة، كمعركة منتصرة على أحزاب السلطة الصهيونية ولا غيرها، ما كان بالامكان أن يكون لولا الانتصارات التراكمية التي حققتها جماهيرنا العربية في أقسى المراحل، وإن ذكرنا، فلا يمكن أن لا نذكر معركة الأول من أيار 1958، البطولية في شوارع الناصرة، حينما منع الشيوعيون بأجسادهم، سلطات الحكم العسكري وحزب "المباي" من اقامة "احتفال" في قلب مدينة الناصرة، بمناسبة مرور عشر سنوات على اقامة إسرائيل، فقد وقعت في ذلك اليوم مواجهات دامية، فجرت "الاحتفال" الحقير، ويومها، وأكرر يومها، صدر الهتاف الوطني الشهير الذي يردده شبابنا حتى اليوم، دون معرفة تاريخه: "الناصرة يا ركن الجليل فيك البوليس مدحدلي".
فقد تم تنظيف شوارع الناصرة من ذلك البؤس، ومرّت عشر سنوات أخرى، وجاء "يوبيل" النكبة، ولم تتجرأ المؤسسة على تكرار المحاولة، ومسيرة العودة التي تجري في السنوات الأخيرة، بدأت حقيقة ببطولة ذلك اليوم.
- عن كتابة التاريخ
تزايد في السنوات الأخيرة ظهور استكتابات لتاريخ جماهيرنا الفلسطينية الباقية في وطنها، وعدد ليس بقليل من هذه الاستكتابات، ولا نقول كلها، كانت تفتقر للبراءة والنزاهة، فسعيا منهم لمقارعة الحزب الشيوعي وتاريخه النضالي، راحوا يزورون تاريخا هم يعرفون حقيقته، من أجل تسديد الثمن المقبوض من جهات كل همها ضرب شعبنا في كافة أماكن تواجده، فنحن نعلم أن من بين هؤلاء من رضع "ثقافته" وقبض أجره من مؤسسات ومعاهد صهيونية أو متصهينة، أو أن الوكالة اليهودية تساهم في تمويلها، إضافة إلى جزبيين ، راحوا يزورون التاريخ ليبرروا وجود أحزابهم حاليا.
ولمن يقع أحيانا في مطب، دون دوافع سلبية لديه، نقول، إنه لا يمكن كتابة دورة التاريخ بمصطلحات ومعادلات اليوم، فكل قراءة للتاريخ دون التعامل مع تفاصيل الحياة الدقيقة التي كانت في الفترة التي يتم تأريخها، وقراءة الظروف الموضوعية المحلية والإقليمية وحتى العالمية، فإنها قراءة مشوهة تدفع بصاحبها إلى تزوير وتشويه، لم يكن يقصده.
ونحن من منطلق القوة المستمدة من الدعم الجماهيري الثابت والمتنامي باستمرار وحتى الآن ومستقبلا، نكتب تاريخنا تحت ضوء الشمس، وصفحاتنا مفتوحة أمام الشعب، وأمام كل صاحب ضمير وطني وأممي نقي، ومن يقول منا نحن، إن تاريخنا الحزبي خال من الأخطاء فإنه يمس بحزبه أولا، على أساس مقولة "ومن الحب ما قتل".
فنحن أول من اعترف بأخطائه، وحتى قبل أن تُستولد أحزاب وأطر وشخصيات سياسية على ساحة جماهيرنا العربية، تحمل أجندات منها ما هو خارجي، ومنها ما هو لا يضمر الخير لشعبنا، ويتم تلبيسه بألف لابوس ولابوس، ومنها ما هو حربائي، يتلون حسب اللحظة وحسب الدافع والمقبوض بالعِمْلتين الأجنبية والمحلية.
ولكن أيضا في هذا المجال هناك نقطتين يجب ان توضحان كليا: فأولا هناك فرق شاسع بين الخطأ والخطيئة، ونحن لم نقع في أي يوم من الأيام في الخطيئة التي تضر بشعبنا، وثانيا، أن حزبنا الشيوعي اليوم، هو الحزب الذي بادر إلى الانشقاق في الحزب الشيوعي في العام 1965، على إثر صراع داخلي دام سنوات طوال، ظهرت مؤشراته منذ العام 1948.
ففي حين كان في الحزب تيار متصهين يستولي على اللجنة المركزية بفعل أنظمة وتوازنات داخلية، كان الشيوعيون العرب ومعهم شيوعيون مناضلون أمميون يهود، يخوضون النضالات الميدانية البطولية، التي كلفتهم ثمنا باهظا، استرخصوه أمام مصلحة أبناء شبعهم، فقد كانوا ضحية الملاحقات والاعتقالات والسجون والنفي والحرمان من مصدر الرزق، والقائمة تطول، ونحن امتداد لهذا الحزب الشيوعي الحقيقي، الذي هو امتداد لعصبة التحرر الوطني في سنوات الأربعين، ومن قبلها الحزب الشيوعي الفلسطيني.
لذلك نقول في مثل هذا اليوم التاريخي: اللي ما شاف من الغربال يا ناصرة 1958 و1975، أعمى بعيون صهيونية.
