استبدال السيئ بالأسوأ

single
  • تريد جماعة الإخوان المسلمين في نهاية المطاف الهيمنة على كل شيء، وإحلال معتقدات وأوجه سلوك مقتبسة مما ساد قبل العصور الوسطى محلّ المعتقدات  وأوجه السلوك التي اكتسبها المجتمع المصري في العصر الحديث


ما يجري هذه الأيام في مصر يعكس سمات القوى المنهمكة في الصراع على السلطة في البلد الكبير. فهناك الجيش الذي يسند من يتولون السلطة. وأهم سمات جيش مصر، منذ أقصاه الراحل جمال عبد الناصر عن السياسة اليومية، تتمثل في ما يظهره من احترام للشرعية القائمة. وهناك القوى العديدة المتفرقة التي تعلي أدبياتها شأن الديمقراطية. بعض هذه القوى مفتون بديمقراطية الغرب، خصوصًا الديمقراطية الأميركية، وبعضها تستحوذ عليه نوازع ديمقراطية، فيما هو يجهل أن الديمقراطية التي يفتنه بريقها في دول الغرب هي ثمرة تطور مديد، وأن هذا التطور هو الذي أفضى إلى نقل هذه الدول من نظم الإقطاع الاستبدادية إلى نظم الرأسمالية الصناعية الليبرالية، وأن ما يجري الآن في ظل هيمنة رأسمال المال المالي المعولم يهدد بطيّ المكتسبات الديمقراطية القديمة وغيرها من المكتسبات ولا يبشر بتوسيعها. وبهذا الجهل تتوه قوى ديمقراطية كثيرة وتُبدِّد جهدها في غير مواضعه وتبلبل الجمهور.
الإخوان المسلمون والقوى الدينية الأخرى تشترك في سمة حاسمة التأثير على ناسهم. فجماعة الإخوان المسلمين وجماعات السلفيين الآخرين يحكمها مبدأ التطويع والطاعة، التطويع الذي هو حق للقادة على أتباعهم ولزعيم القادة على بقيتهم، والطاعة التي هي واجب على كل من هو أدنى رتبة في التنظيم تجاه من هو أعلى رتبة منه.
القرارات الأخيرة التي حملت توقيع الرئيس محمد مرسي تشي بما تُعِدُّه جماعة الإخوان المسلمين ومن هم في حكمها لحاضر مصر ومستقبلها. والجماعة التي يحكمها مبدأ التطويع والطاعة لا تنشغل بأيّ من مبادئ الديمقراطية إلا حين تحتاج إليها لفرض هيمنتها. والإخوان المسلمون لا يستهدفون الهيمنة على مؤسسات السلطة وحدها، بل على مؤسسات المجتمع جميعها. ولا يُعنى هؤلاء بالاحتياز على حق رسم حاضر الوطن ومستقبله، فقط، بل، أيضًا، برسم حاضر كل فرد فيه ومستقبله، عقيدته، وعباداته، وأسلوب عيشه، وسلوكه حتى داخل منزله مع أعضاء أسرته، وكذلك، بالطبع، كل ما له تأثير على صلة كلّ فرد بمحيطه وبنظرته إلى العالم وموقفه من مسائل الدنيا والآخرة.
بكلمات وجيزة: تريد جماعة الإخوان المسلمين في نهاية المطاف الهيمنة على كل شيء، وإحلال معتقدات وأوجه سلوك مقتبسة مما ساد قبل العصور الوسطى محلّ المعتقدات  وأوجه السلوك التي اكتسبها المجتمع المصري في العصر الحديث.
في السياق، لا تقيم الجماعة علاقات تحالف حميمة ودائمة مع أي طرف. فالتحالف يقتضي التشارك، وهذا يتنافى مع مبدأ التطويع والطاعة، تماما كما يتنافى مع استهداف الهيمنة الشاملة الكاملة والهوس بتشكيل المجتمع ليتوافق مع المعتقد الذي لا يجيز الاعتراف بسواه. والعلاقات التي كثيرًا ما احتاجت الجماعة إلى إقامتها مع أطراف أخرى كانت على الدوام موقوتة لتحقيق غاية تنفكّ العلاقة بعد تحقيقها. وهل يحتاج إيضاح هذه النقطة إلى مثلٍ أوضح من ممالأة الجماعة لأعضاء المجلس العسكري الأعلى ثم ما فعلوه بهم بالقرارات الأخيرة. وهل يَستبعد أحد أن تفعل جماعة الإخوان المسلمين بالمنظمات العلمانية التي أيدتهم ضد أعضاء المجلس وساندت قرارات الرئيس الأخيرة ما فعلته بالمجلس ذاته.
الملاحظات على سلوك ناس الجماعة، ما ظهر من سلوكهم حتى الآن وما يُتوقع أن يظهر وشيكًا أو في المستقبل، ترد هنا، ليس لشرح ما لم يعد بحاجة إلى شرح، بل لإبراز السؤال المقلق: هل سيختلف سلوك الإخوان المسلمين المتطامن الآن إزاء الولايات المتحدة وإسرائيل عن سلوكهم إزاء الأطراف المصرية، أو إن الاعتماد على الأميركيين والإسرائيليين للتمكن من إحكام الهيمنة على البلد ستشتد الحاجة إليه مع كل تقدم في مشروع الهيمنة؟ وما الذي يمكن للرأي العام في مصر وبلدان المنطقة أن يستخلصه وهو يرى كيف يتطامن الإخوان منذ الآن إزاء إسرائيل والولايات المتحدة، فيما هم يتهيأون لتطويع مجتمعهم وكنس القوى التي قد تقف دون تفردهم في الهيمنة عليه حتى وهي تؤيدهم وتجازف بخسارة ما لها من شعبية بسبب هذا التأييد؟
السؤال هذا يستتبع سؤالا آخر هامًا: كيف سيؤثر سلوك الإخوان المسلمين المصريين على مجرى الأحداث المحتدمة في بلدان المنطقة كلها؟ والإجابة على هذا السؤال مرتبطة بالتداعيات التي ستنجم عن إمعان الإخوان المسلمين في التطامن أمام الولايات المتحدة وإسرائيل أو تحوِّلها إلى الاشتباك معهما. وفي الرؤية المتحررة من الأوهام ومن التفكير الرغبي والمبنية على الخبرة التي أظهرها سلوك الجماعة، يميل كاتب هذه السطور إلى الاعتقاد بأن المتعجلين في  بسط هيمنتهم على بلدهم وشعب البلد سوف يمعنون في التطامن إزاء أعداء البلد، خصوصًا حين يُظهر هؤلاء الأعداء استعدادهم لدعم هيمنة جماعة الإخوان المسلمين ويتبادلون معها المنفعة، كما فعلوا حتى الآن.
شيء واحد يمكن الأمل بأن يحدث فيبلبل هذا المسار ثم يؤدي مع الزمن إلى وقفه: أن يُسهم سلوك الإخوان المسلمين في مصر ذاته في فتح مزيد من العيون على المخاطر التي تتهدد سورية لو أمكن أن يستأثر إخوانها المسلمون بالسلطة، ثم أن يسهم فتح العيون على هذه المخاطر في إفشال الجهد المنصبِّ الآن من أجل إلحاق سورية بعجلة أتباع الولايات المتحدة المتطامنين إزاء إسرائيل. فشل هذا الجهد سيعيد لانطلاقة الربيع العربي ألقها التقدمي وسيحصِّنها ضد محاولات أعداء الديمقراطية الساعين إلى حرفها عن مسارها الأصلي.
ولو حصل هذا، فإن الصراع في سورية، مثله مثل الصراع على سورية، سيتخذ المسار الذي يجعله مفيدًا حقًا لشعبها وشعوب المنطقة، الصراع الذي ينبغي أن يصير من أجل ما هو أفضل، بدل هذا الصراع الذي يستهدف استبدال سيئين بمن هم أسوأ منهم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مواقف سياسية من المعلوماتية!

featured

من أعان ظالما بُلي به

featured

موقف الحزب الشيوعي السوداني من الانتخابات العامة بالسودان

featured

تقديرات اولية عن العدوان الاسرائيلي على القطاع

featured

شبلي شميِّل... داروين العرب

featured

معركة سياسية بامتياز

featured

عندما حاول أبو الفهد أن يجدّف عكس التيار

featured

فانون والفلاحون