الموروثات الدينيّة الأًصوليَّة: من الاجتهادات إلى اليقينيَّة

single


* ومِمَّا لا يقبلُ التأويلَ، هو أنَّ الإسلامَ دينُ رحمة، إلَّا أنَّ هناك مجموعات تُصوِّر نقدَ الكثير من الموروثات الإسلاميَّة كهجومٍ على جوهرِ الدّين الإسلاميّ، خدمة لمآرب سياسيَّة أو شخصيَّة، وأحيانًا سُلطويَّة أيضًا* نتضرَّعُ إلى الله الواحِد، أنْ ينتصرَ الإسلامُ، دينًا ورسالةً وثقافةً، على تُجَّارِ الدّين وعُلماءِ التَّكفير*


 
قد لا نختلفُ على أنَّ هناك قِوى عالميَّة واقليميَّة تُغذِّي الجماعات الارهابيَّة بشتَّى الوسائل المُمكنة. إلَّا أنَّنا نُغيِّب في نقاشاتِنا، قصدًا أو سَهوًا، أنَّ هناكَ دفيئةً حاضنةً للفكرِ التَّكفيريّ في المجتمعات، نَّابعة من اجتهاداتِ عُلماء متأسلمين أو اسلامويّين، شَوَّهوا صورةَ الإسلام، دينًا ورسالةً وثقافةً، أمثال: بن تيميَّة ومحمد عبد الوهاب والألبانيّ والبغدادي.
في البدايةِ، وبعد سلسلة العمليَّات الارهابيَّة الّتي طالت مدنيّين أبرياء في مِصرَ وسوريَّة والعراق ونيجيريا، باسمِ الإسلامِ كذِبًا، نتضرَّعُ إلى الله الواحِد، أنْ ينتصرَ الإسلامُ، دينًا ورسالةً وثقافةً، على تُجَّارِ الدّين وعُلماءِ التَّكفير.
ومن نافِل القَول أنَّ ضحيَّةَ هذا الإرهاب الأُصوليّ هي الشّعوبُ العربيَّة والإسلاميَّة قاطبة، حيثُ أنَّ هذا الإرهاب الأُصوليّ يُغيِّب ويُحيِّد الحقوق الأساس للشعوب المُتمثِّلة بالحُريَّة والتَّقدُّم والانتاج والتَّطوُّر. فليس بالدُّول العربيَّة-الإسلاميَّة الّتي تنزفُ دمًا وتُراقُ كرامتها، ثُوَّار شيوعيّون أو ناصريّون أو تقدُّميّون، وانَّما مجموعات تكفيريَّة وظلاميَّة، تنتهكُ كرامة انسانيَّتنا، يوميًّا، باسمِ موروثاتِ الدّين.
فالثُّوَّارُ لا يمضغون القلوبَ ولا ينتهكون أعراضَ النَّاس ولا يلعقون أحذيةَ ملوكِ آبارِ النِّفط ولا يستجدون المُستعمرينَ الطّامعينَ بثرواتِ الأوطان وتجهيل الشّعوب، طمعًا بفرضِ سيطرتِهم باسمِ الدّيمقراطيَّة الكاذبة وحقوق الإنسان.
ومما لا يقبلُ التأويلَ، هو أنَّ الإسلامَ دينُ رحمة، إلَّا أنَّ هناك مجموعات تُصوِّر نقدَ، الكثير من الموروثات الإسلاميَّة كهجومٍ على جوهرِ الدّين الإسلاميّ، خدمة لمآرب سياسيَّة أو شخصيَّة، وأحيانًا سُلطويَّة أيضًا. وللحقيقة، فبعدَ أن كان المُسلمُ حُرًّا بالتّفكيرِ والتّحليلِ، استطاعَ أن يُنتجَ الثَّقافات والإبداعِ بشتَّى المجالات، إلَّا أنَه مع سيطرةِ الموروثاتِ الإسلامويَّة التَّكفيريَّة، المُتمثِّلة بعُلماء متأسلمين أو اسلامويّين، صارَ المُسلمُ خاملًا، مستهلكًا وعاجزًا عن حمايةِ عقلِهِ ومجتمعِهِ وشعبِهِ من وَيلاتِ عُلماءِ التَّكفير الأُصوليّين.
نتيجة نفوذ عُلماءِ التَّكفيرِ في العالمِ العربيّ-الإسلاميّ، فقد تجذَّرت في الكثير من العقول الإسلاميَّة قناعةً بأنَّ الموروثات الدّينيَّة لا تقبل الشَّكَ والنَّقدَ. لذلك يعتقد المتأسلمون أنَّ الموروثَ الدّينيّ عليه أن يبقى دائمًا خارج سياق البحث والتّمحيص. وبسبب تجذُّر هذه القناعة، فقد تحوَّل الموروث الدّيني المُتراكم إلى جهاز عقائدي مُهيمِن على المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة. بينما في الأساس، واقعيًّا ومنطقيًّا وعقليًّا، يُفترض أن يتناولَ المتأسلمون الموروث الدّينيّ على أنَّه مجموعة نظريَّات انسانيَّة اجتهاديَّة، قابلة للخطأ والصّواب، قابلة للنقدِ والتَّحليل اعتمادًا على الظّروفِ المكانيَّة والزّمانيَّة، وقابلة للغَربلةِ والتَّقليم.
وليس مُستغربًا أن يدأبَ المتأسلمون على تلقينِ تعاليمِ موروثاتِ الدّين، خشيةً من تنشئتة جيلٍ مُفكِّرٍ يُعارض مفاهيم الموروث الدّينيّ، وبذلك، تُنزعُ سُلطة الهيمنة من هؤلاءِ المتأسلمين، الّذين، وفق اعتقادهم، يحتكرون الحقيقةَ والمعرفةَ، كما أنَّهم - حسبَ اعتقادهم أيضًا- وكلاء الله في هذه الدُّنيا الفانية أصلًا.
ومع ترسُّخ عمليَّة التَّلقين بكلِّ ما يتعلَّق بالموروثِ الدينيّ، افتقدت تقريبًا، مدارس التَّفكير النَّقديّ وغابت العقليَّات النَّقديَّة التَّحليليَّة الّتي تهدف إلى تحليل الموروث الدّيني، وإن وُجِدَت أصلًا، تُطارَد وتُزج جهارًا بالسِّجنِ بتُهمةِ ازدراءِ الأديان، مثلما حصلَ مع الباحث المصريّ د. إسلام البحيري، أو تهاجر هذه الطّاقات إلى أوروبا، مثل العلَّامة د. عدنان ابراهيم.
خُلاصةُ القَول، على المُسلمين وعلينا نحنُ جميعا كعرب، أن نقفَ صفًّا واحدًا بوجهِ عُلماءِ التّكفير، حفاظًا على ما تبقّى من ماءِ وَجهِنا وصَونَ الدّين الإسلاميّ، رسالته وثقافته، وأن نجتهدَ في تحليلِ الموروث الدّينيّ بإخضاعِها إلى دراساتٍ معرفيَّة ونقديَّة، منعًا لأن يتحوَّل الموروث الدّينيّ إلى جهازٍ عقائديّ يحملُ صفةَ اليَقينيَّة.



 (عضو جبهة النّاصرة الدّيمقراطيّة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الكنيست يفتتح عطلة على إيقاع الحملة الشعبية وسيختتمها على إيقاع أيلول

featured

الطواقم الطبية في نهريا والكرمل أصيلة

featured

المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد

featured

الصَّمصام يحتاج إلى الساعد القويّ

featured

ابو نصري شفيق زاهر كنت وستبقى ملح الأرض

featured

تحديات فنزويلا بعد شبه التعادل

featured

ديمقراطية "لناس وناس"!

featured

لإسقاط الحصار وتعزيز المصالحة!