رأيتُ خوذته تتدحرج على اسفلت مستديرة الجادة بحيِّ الألمانيَّة، بحيفا، ككُرة القدم، وتبعَتْها درَّاجته النَّاريَّة الخفيفة، التي تُستعمل لنقل مشتريات الزَّبائن عبر الهاتف إلى بيوتهم، تسير بدون سائق، كوسيلة نقل سحريَّة دون سائقٍ، وعندما انتهى المشهد الأوَّل، بعد أن اصطدمت الخوذة بِشارة المرور والدَّرَّاجة بالرَّصيف، رُفِعَ السِّتار الأسود عن شابٍّ منبطحٍ أرضًا نازفٍ يؤكِّدُ، بشكلٍ واضحٍ، أنَّ الله أخذ وديعته، وسائقون طفوليُّون أبطأوا قيادة سيَّاراتهم ليُراقبوا المأساة من ناقلاتهم. أسرعتُ إلى المكان وبدأتُ بعمليَّة الإحْياء، وانضمَّ إليَّ بعض الإخوة المارَّة للمساعدة، فمنهم من أبعد السَّيَّارات عن المكان ومنهم من اتَّصل وأشار لسيَّارتَي الإسعاف المكثَّف والشُّرطة إلى مكان الحادث، إذ حال وصولهما بدأت عمليَّة النَّقل السَّريع، بعد أن بدأت جميع أجهزة الإحْياء الموصولة بجسم الشَّاب المضرَّج بالدِّماء، بالعمل للمحافظة على حياة المُصاب وتشغيل أعضائه اصطناعيًّا، نُقِلَ إلى المستشفى الحكوميِّ حيث انتقلت روحه إلى باريها بعد يومين من الإصابة..
حادثة مؤلمة ومؤسِفة لشابٍّ، لا أعرفه، ما زال في ربيع عمره الجميل، تمرُّ أمام عينيَّ بكرة وأصيلا بذهابي الى المستشفى لعملي وإيابي منه..
انتظرَته أمُّه تلك الليلة، كما في كلِّ ليلةٍ، ليعود إلى حضنها الدَّافئ في البيت، خلودًا للرَّاحة، بعد أن أضناه يوم عملٍ صعبٍ وشاقٍّ ينتقل فيه بين أحياء حيفا، لإيصال طلبيَّات المشترين إلى بيوتهم، هذا هو عمل الكثيرين من شبابنا الذين لم يجدوا أيَّ فرصة متاحة للعمل. يعملون خلال أيَّام السَّنة، وبشكل متواصل، في برد الشِّتاء القارس وفي الصَّيف الحارق، ليَضمنوا لقمة عيشهم بشرف.
?حَمَلَتْهُ أٌمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ? وأرضعته وربَّته وحمته برموش عينيْها ووضعته في فؤادها لتحميه، انتظرته والدتُه طويلاً لكنَّه عاد قتيلاً محمولاً على أكتاف اخوانه وأصدقائه وجارحًا قلب والديه وأشقَّائه ومحبِّيه..
والسُّؤال هو: هل وضع الخوذة على رأسه وأقفلها إقفالاً محكمًا حول عنقه؟ هل انتبه لحركة السَّير من حوله؟ وهل انتبه السَّائقون حوله لهذه الدَّرَّاجة؟ هل قاد درَّاجته بالسُّرعة المسموحة؟
علينا أن ننتبه ليس فقط لأنفسنا على الشَّارع بل أن نحتاط من الآخرين، من المارَّة ومن السَّيَّارات ووسائل النَّقل الأخرى، فليس مهمًّا أن تكون على حقٍّ فقط، بل من المهمٌّ أن تكون حكيمًا أيضًا وتحمي نفسك من طيش وإهمال غيركَ على الشَّارع، والاحتراس هو أن تحمي نفسَك من نفسِك ومن غيرك لأن الموت أسرع من سرعتنا، وعلينا كلَّما جلسنا وراء المقودِ أن نكون على يقين من المعرفة والإدراك أنَّ هناك عائلة في انتظار عودتنا، وأنَّ هناك أهلاً ينتظرون عودة السَّائق المقابل لنا بسلامة وأنَّ أمًّا تنتظر فلذة كبدها التِّلميذ العائد من مدرسته..
رخصة قيادتنا هي تصريح لحمايتنا وحماية غيرنا..
لقد جاء اختراع المركبة لراحة الإنسان وليس لقتله..
