وأخيرًا جاء "الفرج الأمريكي" مهرولا مهزومًا زاحفًا للاعتراف بالنظام الاشتراكي في جزيرة الحرية والصمود في كوبا الأبيّة. الفرج ليس بالسياسة الأمريكية وسنتطرق إلى ذلك لاحقًا، وإنما بالشعب الكوبي الصابر والقابض على جمرة الحق والدفاع عن منجزاته ومستقبله، الذي استطاع لأكثر من نصف قرن من الحصار التجويعي الاقتصادي والسياسي والمعيشي في التصدي ببسالة نادرة للكم الهائل من التدخلات والاستفزازات والتحرشات السرية والعلنية للامبريالية الأمريكية، في محاولاتها للقضاء على الثورة الكوبية وحرفها عن عملية بناء الاشتراكية وكذلك حرف الشعب عن مسيرته وإرادته الحرة واختياراته الديمقراطية في بناء شكل حياته ورسم مستقبله بنفسه، بعيدًا عن المساحة المعيشة التي تحددها وترسمها الامبريالية الأمريكية واحتكاراتها للشعب الكوبي ولبعض الشعوب في العالم، والمتمثلة ما بين اختيار الفقر والجوع والموت البطيء ذاتيًا أو قبول التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية للشركات فوق القومية العابرة للقارات وفي كلتا الحالتين، يعني استعباد الشعوب في نهب ثرواتها وخيراتها الوطنية تحت الوصاية والحماية الأمريكية والأوروبية.
الجديد في الأمر وفي الملعب الدولي، هو صمود الشعب الكوبي، حكومة وشعبًا وحزبًا شيوعيًا ثوريًا مبدئيًا لم يساوم على كرامة ومبادئ شعبه في الحرية والاستقلال، حزب وضع في خلاصة طريقه، ان يحرر الشعب من براثن العبودية والاستعمار، وينطلق نحو سماء الحرية وعزة النفس في بناء نمط حياته وشكل نظامه السياسي والاقتصادي على قاعدة أسنان المشط المتساوية، لا مكان فيها لمزارع اليانكي رمز العبودية وتجارة الرقيق والتبعية للاجنبي، أساسها تخليص الشعب الكوبي من نظام الذل والتبعية والهيمنة الأمريكية على الشعب والقضاء على حكومة باتيستا العميلة للأمريكيين.
من اجل ذلك خرجت وانتصرت جموع الشعب الكوبي بكل أطيافها وألوانها ليس لتحمي الثورة وبداية المكاسب البسيطة والتفاصيل الصغيرة ولملمة بذور الكرامة وتجميعها في خندق المواجهة مع المستعمرين أعوانهم المحليين، وإنما لتعبير بشكل حر وديمقراطي والإعلان على الملأ عن هدم علاقات الإنتاج الفردية الإقطاعية المملوكة للاجنبي الأمريكي، والقضاء على نظام الاستغلال والبؤس والفقر والجوع الذي كان الأمريكان يرعونه كي يبقى مسلطًا على رقاب الشعب الكوبي. خرج وقاتل وانتفض الشعب الكوبي كي يهدم ويبني الجديد، على أساس علاقات إنتاج جماعية قائمة على السلم والعدل الاجتماعي في تقاسم الخيرات والثروات الوطنية بين كافة فئات الشعب، ولهذا اخذ الكوبيون على أنفسهم وبقيادة الحزب الشيوعي الكوبي وملهم مجده وثورته القائد الثوري فيدل كاسترو والأسطورة تشي جيفارا، في اكبر تحدٍّ يشهده النصف الغربي من الكرة الأرضية في القرن العشرين، وعلى بُعد عشرات الكيلومترات من شواطئ الامبريالية الأمريكية، حين بدأ الكوبيون ببناء وتشييد وتثبيت وتعميق الأساس في التخلص من الحقبة التاريخية في إذلال الشعب الكوبي، وبدأ مرحلة التحدي للظروف الدولية التي تفرضها القوى الاستعمارية وفي مقدمتها العمل على قهر الامبريالية الأمريكية، والمضي قدمًا في حماية الشعب ومكتسباته في بناء وتعزيز وصيانة ما تم تحقيقه من تقدم اجتماعي واقتصادي وعلمي، بالرغم من الحصار المفروض وكلبنة الوحوش الاستعمارية في محاولاتها الاستفراد بالشعب الكوبي في فترة السنوات العشرين الماضية مستغلة الخلل الحاصل في ميزان القوى العالمي الذي أحدثه غياب وتفكك المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي نصير الشعوب والشعب الكوبي بالذات، فلولا دعم وصمود الكوبيين وعلى رأسهم الحزب الشيوعي الكوبي العظيم وجماهير العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وهم حراس الثورة وجنود عملية البناء والدعم المتواصل من شعوب أوروبا الشرقية وعلى رأسهم شعوب الاتحاد السوفييتي وقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي، روح التعاون الاممي من مجموع الحركة الشيوعية والثورية وكافة الشعوب المكافحة من اجل حريتها واستقلالها والتي كان لها دور طليعي في مؤازرة الثورة والشعب الكوبي. لولا كل ذلك لما كان من الممكن الصمود لأكثر من نصف قرن في وجه اكبر قوة استعمارية احتكارية وُجدت على سطح هذا الكوكب في فترة القرنين الأخيرين التاسع عشر والقرن العشرين، ونعني بذلك الامبريالية الأمريكية وأذنابها في القارة الأوروبية والحركة الصهيونية وحكام إسرائيل.
إن التجربة الكوبية هي امتداد وشبيهة بالتجربة الفيتنامية من حيث التحدي والتصميم على دحر الغزاة وصد التدخل الخارجي وإخماد محاولات التخريب الداخلية المرتبطة بالمستعمرين وتحمل تبعيات الحصار والتمسك بالإرادة الثورية وتشجيع الإنتاج المحلي بالاكتفاء الذاتي على قوة الشعب، بعدم فتح الباب أمام الشركات الأجنبية. ثم ان استغلال الشعب الكوبي وجعله شعبًا من العبيد والاقنان بأبشع الصور الوحشية من قبل الامبرياليين الجدد في الولايات المتحدة وحلفائها، قد جعل الشعب الكوبي يجترح المآثر والمبادرات والبطولات لنفض غبار الحقبة الماضية من الذل والعبودية للأمريكيين وغيرهم. في حين اخذ على عاتقه ومنذ أكثر من نصف قرن على المضي قدمًا في ترسيخ القيم الإنسانية والثورية والتنموية في النهوض بالبلاد معتمدًا على قواه الذاتية في تنظم نمط حياته من اجل بناء وترسيخ مفاهيم الاشتراكية قولا وفعلا.
لم يعتمد الشيوعيون الكوبيون بقيادة كاسترو على مواصلة الصمود في وجه الامبريالية الأمريكية على المساعدات من قبل الاتحاد السوفييتي آنذاك فقط، بل اعتمدوا خطة البناء الاشتراكي وبداية طريق التطور اللارأسمالي في التحول نحو الاشتراكية في مفهوم العصر الحديث حسب ظروف وثروات الشعب الكوبي، ومدى تقبله للعلاقات الإنتاجية الجديدة وكيفية إخراجه من مرحلة العبودية إلى مرحلة التحرر السياسي والاقتصادي. لقد جرى ويجري تطبيق الاشتراكية في كوبا حسب التقاليد الثورية للشعب الكوبي، والتجربة السوفييتية في تطبيق الاشتراكية في كوبا هي الدليل والمفتاح ولكن ليست هي الأصل. ولهذا كانت كوبا على الدوام محط أنظار القوى الثورية في العالم.
ان خصائص كل بلد تختلف عن الأخرى وليست بالضرورة تكون عملية النسخ في التطبيق، ان الاسترشاد بالفكر الثوري الماركسي اللينيني هو هام جدًا وهو الأساس، لكن التطبيق العملي يواجه صعوبات كبيرة، لان فرض الأمور بالقوة بدون مشاركة الشعب هو عملية انتحارية تؤدي إلى ضياع المكاسب وفقدان البوصلة. ما رأيناه في كوبا سنة 2007 هو انعدام تام للطبقات الكبيرة الوسطى ومقولة يا فوق يا تحت لا وجود لها على الإطلاق ، إنما الموجود اليوم في كوبا هو انصهار طبقة العمال والفلاحين والطلاب والحرفيين والمثقفين وكافة شرائح المجتمع في عملية الإنتاج والبناء والدفاع عن المنجزات التي تم تحقيقها خلال 50 سنة الماضية والانطلاق نحو بناء مجتمع الرخاء والحضارة وزيادة التنمية الاقتصادية والتحول نحو بناء الاشتراكية المتقدمة وصولا إلى الاكتفاء كي يحدث التساوِ بين الوزير والغفير.
يسأل في مثل هذا الوقت، ما الذي تغير في السياسة الأمريكية، كي تعترف وتتنازل وتقر مرة واحدة وبدون مقدمات وتعترف بحق كوبا شعبًا وحكومة في اختيار نظامه السياسي والاقتصادي وبناء علاقات وفتح سفارات متبادلة في كل من واشنطن وهافانا؟ ما هذا الكرم الامبريالي دفعة واحدة بعد 60 عامًا من التجويع والحصار، ما الذي يدفع اوباما في ولايته الثانية إلى مثل هذا القرار؟ أسئلة كثيرة محيرة تتطلب الإجابة. لكن من المهم الإجماع في نص الإجابة، وهي ان الامبريالية الأمريكية صحيح قد فشلت فشلا ذريعًا في فرض سياساتها بنسبة كبيرة، بل منيت مثل هذه السياسة بانتكاسات كبيرة في أغلبية دول أمريكا اللاتينية، في ظل تزايد زخم الكفاح لشعوب تلك الدول في التحرر ما بين السياسة والاقتصاد واتباع سياسة أكثر اعتمادًا وأعمق إنتاجًا وطنيًا من الاعتماد على الاستيراد والقروض من البنوك والشركات الأمريكية والغربية هذا الاعتراف الأمريكي جاء مهرولا مهزومًا مع كل أهميته بالنسبة للشعب الكوبي وانفتاحه على المجتمع الدولي. ولكني أرى الخارطة بمنظار آخر وهو ان الأسلوب الأمريكي في محاولة فرضه بالقوة لم ينجح، ولهذا الاعتراف الآن هو مرحلة وأسلوب تكتيكي امبريالي ذو أبعاد سلمية تجديدية في استعمال الجزرة بدل العصا والاهم هو بناء علاقات الجيرة الحسنة والتعاون في كافة المجالات. فالامبريالية العالمية والأمريكية على وجه الخصوص – ما هي إلا الحرباءة التي تغير جلدها لجلب ولفت نظر فريستها، وبلع العسل مع السم، مما يعني محاولة الأمريكيين وغيرهم تخريب كوبا من الداخل وعلى أساس تنمية الصراعات الداخلية وشراء الذمم، دعم القطاع الخاص وإعادة تجميع قوى الثورة المضادة من بقايا الإقطاع وكبار التجار والبرجوازية الكبيرة وكل أعداء النظام الثوري في كوبا. ان مثل هذه العلاقات تفتح المجال أكثر أمام الأمريكيين بزيادة التدخل السري تحت ستار "السفارة في العمارة" في هافانا، وزيادة حجم الصادرات إلى أمريكا والتبادل التجاري، وهذا مهم لتطور كوبا مستقبلا، لكن يعني إدخال الرأسمال الأجنبي في المساعدة بقضية التنمية الاقتصادية وإقامة مشاريع اقتصادية واستثمارية وسياحية مشتركة. وهو ما تفتقر له كوبا اليوم. ثم ان مثل هذه العلاقات هي من حيث الشكل تقوم على الاحترام المتبادل، ولكن من وراء الكواليس ستحاول الامبريالية الأمريكية إقامة شبكة جواسيس على مجمل الأراضي الكوبية، وجمع المعلومات عن بواطن الضعف في كوبا حكومة وشعبًا تحت يافطة حقوق الإنسان والديمقراطية، وليس من المستغرب ان تبني الامبريالية الأمريكية في السنوات القادمة حركة سياسية جنوبية لاستعادة ما خسرته في القارة الجنوبية بهدف إسقاط الأنظمة الوطنية والثورية على شاكلة كوبا وفنزويلا وغيرهم، تكون هذه الحركات في جوهرها الارتباط بالأمريكيين سياسيًا بغية خلخلة وإثارة الخلافات وزيادة الثورات والتدخلات وحياكة الانقلابات العسكرية واعتماد الدين لتفريق الشعب والشعوب كما تعمل في منطقة الشرق الأوسط مع داعش وطالبان وجبهة النصرة وغيرهم من الحركات التكفيرية المصبوغة باسم الدين والإسلام.
لا نقلل من أهمية الخطوة الأمريكية في نظر الشعب الكوبي أولا، ولا في نظر شعوب، وأمريكا اللاتينية بالتأكيد ان هذه الخطوة تنطوي على مكاسب في رفع شأن النظام والشعب على أساس صيانة المكتسبات خلال الـ 60 سنة الماضية، وتعطي أفقًا وأملًا كبيرين للمستقبل في بذل مجهود اكبر لحماية المرحلة القادمة، وإشراك الشعب بصورة مباشرة في تسييس الديمقراطية بالانتخابات المباشرة لزيادة حجم المسؤولية الوطنية والثورية في حماية المستقبل.
هنيئًا للشعب الكوبي في فرض نفسه على المجتمع الأمريكي والعالمي، كانت فرحتنا أكبر لو ان الشعبين الكوبي والفلسطيني اللذين يعانيان نفس العقدة الأمريكية الصهيونية واستعادة الحقوق والاعتراف الكاملين من قبل إدارة اوباما بالمشروع الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي من الوجود والعقلية الفلسطينية. كي يمارس الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة والوطنية على ترابه الوطني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة جميع اللاجئين إلى أراضيهم وقراهم والاعتراف الأمريكي هام ولكنه منقوص لأكثر الشعوب حقًا، حيث استباحت الأسلحة الأمريكية الصنع دم الشعب الفلسطيني عبر أكثر من 60 عامًا ولغاية الآن.
(كويكات/أبوسنان)
