كانت الساعة حوالي الخامسة والنصف مساء الإثنين الموافق 4-04-2011 وإذا بالمذيع عبر إحدى المحطات الإذاعية يبلغ عن خبر اغتيال الفنان المسرحي والسينمائي جوليانو مير خميس ، شعرت حالا أن عملية الاغتيال مهما كانت أسبابها وكان من كان منفذها أو منفذوها ، فالعملية بالأساس موجهة لكل مقاوم للإحتلال ، ولكل داعية للسلام ، ولكل مؤمن بأخوة الشعوب الحقيقية .
لم أعرف جوليانو مير عن كثب ، كما عرفت والده الرفيق المناضل وسكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي الأول صليبا خميس ، وعرفت والدته أرنا مير / خميس عن بعد ، مع أنني عرفت نشاطها السياسي وخاصة مشروعها المؤثر في جنين، ولكنني شاهدت عبر وسائل الإعلام مقاطع من إبداعه وقرأت عن آرائه بل أكاد أقول انني عرفتها عن كثب وتابعت مشروعه في جنين عبر وسائل الإعلام الذي أستطيع أن أصفه بمشروع حياته أراد أن يقول ان مسيرة والدي لم تنته ويوجد من يكمل الطريق ، ربما أيضا كان هذا العمل يؤدي إلى نوع من التوازن النفسي والفكري لديه ، لذلك فعمله كما كنت أشعر دائما ليس عبثا بل عمل ودأب صاحب رسالة ، صاحب قيم عليا ، صاحب ضمير ، وصاحب مبدأ .
ليس سهلا أن تكون عربيا في هذه البلاد ، ليس سهلا أن تعتز بكونك عربيا فلسطينيا ومواطنا في إسرائيل ، هذه التشكيلة الواقعية من جهة ، وحقيقية من جهة أخرى تاريخيا وموضوعيا من الجهة الثانية تضايق البعض ، تضايق السلطة والحكومات التي تميزت سياستها بالاضطهاد القومي ، لأنها تريدك بلا لون وبلا هوية ، وبلا إرادة ، وبدون وطنية .
والأصعب في هذا الوطن الطيب ، أن تكون إبنا لوالد عربي ولأم يهودية ، وصعوبة حياتك تفرضها حياة الصراع والحروبات والنزاعات في هذه المنطقة المقدسة إلا من العنف فأنت عند "بعض العرب " يهودي ، وعند " بعض اليهود " عربي " غوي " حتى لو كانت أمك يهودية .
والأصعب من كل هذا أن يكون لوالديك موقف وطني موقف أممي موقف تقدمي ،والأصعب الأصعب أن تكون أنت صاحب مشروع وموقف إنساني وأممي ، وفنانا تشعر بالآخرين وحرمانهم ، تدعو للسلام العادل ، فكيف عندما تؤمن وتكتب أن " إسرائيل لن تستطيع أن تنتصر على الفلسطينيين " وعندما يكون موقفك السياسي المعلن والمكتوب " أن إسرائيل ضعيفة وقد أصابها التعب ، تريد إنهاء قضية الفلسطينيين وتصفيتها نهائيا . لكن الفلسطينيين يعاودون رفع رؤوسهم كل مرة ، من جديد . يرفض الفلسطينيون الخضوع ، ويرفضون الركوع على ركبهم كي يطلبوا الرحمة من إسرائيل " ( من مقال نشرته الإتحاد في تموز 2006 لجوليانو مير .
لم يقف جوليانو مير محايدا بل كان له موقف ورأي ، لذلك فأيدي الغدر التي طالته، لأي دين أو مذهب أو دولة انتمت، تبقى هي هي قوى ظلامية تكره السلام وتكره دعاة السلام ، والذين يقتلون الأبرياء تحت أي شعار هم قتلة مجرمون يجب محاكمتهم وإنزال أقصى العقوبات بهم .
ولكن الفن الإنساني ، مسرح الحرية ، والنضال من أجل زوال الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، سيبقى وسيبقى التعاون والنضال العربي المشترك من أجل السلام والمساواة ديدن من تربوا في مدرسة صليبا وأورنا وجوليانو خميس .وستبقى ذكراه خالدة في المسرح الذي أحبه ، وفي تجلي الأخوّة اليهودية العربية التي عمل من أجلها ، وفي زوال الاحتلال الذي عمل لزواله ، وبين زملائه ورفاقه من المسرحيين اليهود والعرب الذين أحبوه وأحبهم ، وبين أبناء مخيم جنين الذين عمل ووالدته من أجلهم .
( عرعرة – المثلث )
