الثورة الرّاقية تنتصر

single

*هذه ليست ثورة العيون الغاضبة والحشود التي تهاجم وتكسّر وتحرق. على الرغم من أنها انطلقت من "يوم الغضب". من حق ثورات الشعوب ويجب أن تكون كما تشاء. لكن الأسلوب المصري في الثورة، وليس الثورة فقط، فاجأ الجميع. هذا الشعب يثبت أن النفَس الطويل والإصرار الهادئ وروح النكتة والبساطة المُبدعة المثيرة للإنفعال، يمكن أن تهشّم رأس أكبر نظام قامع*

يُظهر أحد الفيديوهات المصوّرة من القاهرة صفًا من الشباب وهم يغنّون: "حَنيجي بُكرا ومعانا صْحابنا، وبعدِ بكرا ومعانا جيرانّا..". أمامهم تمشي مجموعات من الوافدات والوافدين باتجاه أحد مداخل ميدان التحرير، كما يبدو. تلتقط الكاميرا عددًا من النساء والفتيات وهنّ يشاركن الشباب التصفيق، بوجوه بشوشة هي انعكاس لبشاشة مستقبلي الناس في الميدان الذي تحوّل رمزًا لثورة مصر. الميكروفون يلتقط كلمة واحدة من إحدى النساء: عَسَل.

**

معظم الملصقات واللوحات التي خلّدت ثورات شعوب العالم، تشتمل على صور لوجوه مدفوعة بالغضب الحقيقي على الظّلم. وهي لا تخلو من صور القبضات المكوّرة المرفوعة وشارات النصر والإصرار. بعضها يحمل عناصر رمزية لاشتعال الثورة، ولذلك يبرز عنصر النار في كثير منها. سوف نجد هذه الرموز جميعها في العديد من صور وبوسترات الثورة المصرية المتواصلة المتصاعدة. و لكن، ربما أن ما سيبقى منها ويميّزها هو صور ورموز مختلفة.
هناك كم كبير من المواد الموثّقة بالصوت والصورة يعكس وجوهًا فرِحة، حناجر تغني، وحتى عندما تهتف يكون هتافها أقرب الى الغناء. من الصعب أن تجد في مكان آخر آلافًا مؤلفة تضبط تصفيقها وهتافها وغناءها على ايقاع واحد. ربما هذه من خصائص الشعب المصري. حسّ فطري للنغمة وللايقاع. لا يزال يدهشني مشهد الحشود وهي تهتف بكلمة واحدة: "إرحلْ..". كلمة واحدة، وليس جملة مسجوعة تسهّل على هتافها الجماعيّ. لكن المصريين فنّانون. يرددونها بنغمة تجعل من الكلمة الواحدة أغنية كاملة. الصديق الموسيقي فرح جبران لاحظ أن النغمة التي ردد المتظاهرون الكلمة عليها، تحمل عنصر التنبيه، أشبه بصوت تنبيه الإسعاف مثلا. نغمة بمقطعين واضحين وبسيطين.
أعتقد أن موهبة سائر الشعوب في هذا المجال أكثر تواضعًا. في مظاهراتنا الفلسطينية مثلا، تجد مئة يصفقون ويهتفون بصدق، ولكن مع الكثير من الخربطات الإيقاعية. ولا بأس في هذا. أما في مصر، فبمقدور الآلاف ضبط ايقاع واحد وصحيح ومُنساب في لحظة، من دون عناء.
أهذا بفعل حياة ممتدة على سبعة آلاف سنة من الحضارة على إيقاع النيل منذ فجر التاريخ المدوّن؟ أهي "عبقرية المكان" كما أسماها جمال حمدان؟

**

كذلك، توثّق المواد المصوّرة والمسجّلة شعارات ورسومات غاية في الطرافة، وغاية في الدقة السياسية تعبيرًا عن المطالب. هذه التوليفة تعكس مزاج شعب وميزة حضارية جماعية نادرة. أحد الأصدقاء قال: النكتة المصرية من أقوى عناصر مناعة هذه الثورة. فعلا. والبسمة المصرية أيضًا.
هذا يترافق بمشاهد جميلة من التضامن والتكافل البسيط الحقيقيّ غير المتكلّف: في توزيع وتقاسم الأكل والشرب. في العمل التطوّعي المتواصل على مدار الساعة لتنظيف وترتيب الميدان. في تلك الأيام التي أرادها النظام دمويّة حين سحب أجهزته الأمنية والبوليسية متوهمًا أن الشعب سيفتك بنفسه، فألّف هذا الشعب لجان الحماية والحراسة الشعبية ليحمي الخير العام والمُلك الخاص. وليتّضح لاحقًا أن النظام أفسح المجال للاعتداءات فعلا، لكن أذرعه هي الوحيدة التي اقترفتها. لقد أخلى النظام المشهد فظهرت بشاعته كاملة. إن روح التطوّع والمسؤوليّة والمحبّة في صفوف المصريين أسقطت آخر قناع عن وجه النظام. وبشكل مرتبط جدليًا، كشف هذا الشعب للعالم عن وجهه الحقيقيّ. لقد أزاح مرة واحدة جميع الأفكار المسبقة عنه وكأنه يتّسم باللامبالاة والانكسار وما شابه. ومن خلال هذا أفرغ الكثير من العقائد الاستعلائية من مضمونها، وبنظر أصحابها المغرورين أيضًا. فمنظّرو الاستعلاء والاستشراق رأوا في الشعب المصري وأخوته دهماء لا يسيّرها سوى عصا القمع أو التحشيد الغرائزي (لاحظوا التقسيمة الثنائية المطلقة "إمّا مبارك وإما الأصولية"). لكنهم الآن يرتجفون وقد انهارت عقيدتهم أمام عيونهم. لن يقتصر هذا على مساحات التنظير الأجوف، بل سيمتدّ الى العقائد السياسية والأمنية المشتقّة من النظريّات (وبالعكس!). آه لو كان إدوارد سعيد معنا اليوم!
هذه ليست ثورة العيون الغاضبة والحشود التي تهاجم وتكسّر وتحرق. على الرغم من أنها انطلقت من "يوم الغضب". من حق ثورات الشعوب ويجب أن تكون كما تشاء. لكن الأسلوب المصري في الثورة، وليس الثورة فقط، فاجأ الجميع. بحكمة عميقة، لم يُعطِ المصريون فرصة لغلاة الاستعلاء ليتحدثوا عن "شغب" و "فوضى". لم تجد الكاميرات مصالح تُنهب ولا مؤسسات تُقتحم – إلا من فعل النظام. هناك عنصر تحرّري جميل في هذا: النظام هو الفوضى. أما الثورة فهي الحارس الأمين المسؤول.

**

إحدى الصديقات اصابت حين قالت: هذه ثورة راقية. صحيح أن هناك من يستعجل صور اقتحام الثورة هذه المؤسسة السلطوية أو وذاك المعْلم المرتبط بالنظام. لكنّ المصريين الثوّار لديهم طريقتهم وايقاعهم ونفسُهم الطويل. أو كما كتب أحد المتظاهرين ردًا على حسني مبارك الذي نُقل عنه القول: "أنا معي دوكتوراه في العِناد". ذلك المتظاهر ردّ عليه بنفس القوة والإصرار ولكن بكثير من الاستخفاف أيضًا: "إذا كان معاك دوكتوراه في العناد، إحنا معانا نوبل في الصّبر".
هذه الثورة لم تعِد المعنى لكثير من المفاهيم فحسْب، بل خلقت مفهومًا جديدًا للثورات: بوسعك أن تُسقط أعنف نظام، أن تكشف حقيقته، أن تجعله يرتبك ويرتكب جميع الأخطاء، وليس بالضرورة من خلال العيون الحمراء الغاضبة والقبضات المشدودة. حين تحلّ ضرورة هذه، فليكنْ. ولكن يمكن أيضًا بالنفَس الطويل والإصرار الهادئ وروح النكتة والبساطة المُبدعة المثيرة للإنفعال، أن تهشّم رأس أكبر نظام قامع. وها هي قد هشّمته.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وفتّشت عن "شالوم"

featured

حريٌّ بنا أن نبدأ بأنفسنا

featured

ما أتعسنا إنْ كان هذا عنواننا!

featured

مسجد جنبلاط ومسبحة برِّي

featured

أنحن وإسرائيل في الجنّة ؟

featured

عبد الناصر مقاتلًا وزعيمًا

featured

النّاس هم الأضواء التي تصنعُ النّجوم