كما تفتّش عن قطعة نقود معدنيّة في كوم رماد أو كومة قشّ بحثت في سراج وفتيلة عن كلمة "شالوم" في دولة "واحة الدّيموقراطيّة" و "بلاد السّمن والعسل" و دولة "منارة الأمم" فما وجدتها، فقد محاها قادة إسرائيل من القاموس السّياسيّ ومن المعجم الشّعبيّ فاختفت مثل فصّ ملح في دلو ماء من حياة المواطن الإسرائيليّ وابتعدت عن صالونه وعن ناديه وعن ملعبه وعن همومه اليوميّة. وطارت بعيدًا عن حدوده. بل صارت كلمة لعينة تهدّد وجوده وبقاءه وأمنه الشّخصيّ، وأصبحت وأمست مرادفة لكلمة "سمول" أيّ "يسار" التي يكرهها المجتمع الاسرائيليّ بعد أن حوّلها نتنياهو وبنيت وليبرمان ومن لفّ لفّهم إلى شتيمة تعني "عدوّ الدّولة" أو "عدوّ الشّعب" وصارت العامّة من النّاس إذا أرادوا أن يلعنوا شخصًا علانية هتفوا "يا سمول يا خ..." فكلّ داعية للسّلام مع الفلسطينيّين وكلّ منتقد لممارسات الاحتلال وكلّ عضو في "بتسيلم" أو "كاسري الصّمت" أو منظّمة حقوق الانسان أو منظّمة نساء ضدّ الحرب هو "سمول ابن سمول" ومتعاون مع أعداء إسرائيل أي مع حزب الله وإيران وحماس وداعش ومتعاون أيضًا مع أبو مازن ناكر الكارثة الذي يسعى إلى تدمير إسرائيل سلميًّا أو هو على الأقلّ "عربيّ إسرائيليّ" ناكر لنعمة الدّيمقراطيّة وناكر ليهوديّة دولة إسرائيل وشيوعيّ وعضوّ في "راكح" أو في "بلد" أو إسلاميّ أو داعشيّ والدّليل القاطع على ذلك أنّ الشّرطة وجدت في بيته جريدة عبريّة اسمها "يسرائيل هيوم" وفيها مقال عن داعش في أوروبا، وأمّا اذا دافع العربيّ عن نفسه فهو من أنصار الحاجّ أمين الحسينيّ الذي ألّف كتاب "كفاحي" لهتلر ودعا إلى إبادة اليهود. ولكي يبتعد النّاس عن كلمة شالوم أكثر فأكثر صار الاسرائيليّ يحيّي الآخر بكلمات مثل "هاي" أو "تشاو" أو "هالو" ولولا الحياء واتّهامه بمحبّة العرب لقال "مرخبا يا خبيبي".
وضع قادة اليمين أغطية سوداء على عيون المواطنين وقطنًا مزيّتًا في آذانهم كي لا يروا الحقيقة ولا يسمعوها وحقنوهم بالعداء للعرب عامّة ولكلّ من يدافع عنهم وأقنعوهم بأنّ العرب غرباء يحتلّون أرض إسرائيل التي وهبهم الله إيّاها كما جاء في كوشان إلهيّ عندما وزّع تعالى الأملاك على البشر.
هل يعرف الرّئيس الأمريكيّ المثّقف جدًّا هذا الأمر؟ وهل يدري حضرته مع من سيتفاوض المفاوض الفلسطينيّ؟ وهل يعرف أنّ السّادة مناحم بيغن ويتسحاك شمير ووالديّ تسيبي لفني وضعوا قنابل في الفنادق وعربات القطر والأسواق العامّة وقتلوا أناسًا أبرياء؟
تعبت عيناي وأنا أفتّش عن "شالوم" ولن أقول: باي باي يا شالوم. يا هارب. يا مختبئ. لا. لن أقول.
