العقيد في القفص

single

هاتفني الكاتب المثقف الدمث الدكتور محمد حسن البرغثي ، السفير الليبيّ في عمان في مساء يوم من نيسان 2010 ودعاني لزيارة ليبيا مع وفد من الشخصيات العربية من البلاد فشكرته على الدعوة واستفسرت عن برنامج الزيارة فأخبرني أنها تقتصر على مقابلة العقيد معمر القذافي ثم أرسل الدعوة إلي بالفاكس بعد دقائق .
جلست مباشرة إلى طاولتي وكتبت رسالة إلى سعادة السفير أشكره وأعتذر عن تلبية الدعوة مدّعيا ارتباطي بمواعيد سابقة وأكّدت في رسالتي أنني أرغب بزيارة ليبيا في المستقبل والالتقاء بأبناء شعبها العظيم ، وتعمّدت ألا أذكر في رسالتي اسم العقيد أو أن أشير إليه .
ولم أنشر الرسالة حينئذ في الصحافة ولم أكتب خبرا عن عدم مشاركتي في الوفد المسافر احتراما لأصدقائي الذين لبّوا الدعوة لأسبابهم الخاصّة .
تذكرت في ذلك المساء جنونيّات القذافي ونزواته في مؤتمرات القمة العربية وفي رحلاته إلى دول العالم وما يرافقها من فضائح ، وتذكرت خيمته الكبيرة وحارساته الجميلات ، وتبذيره لتريليونات الدولارات في دعم منظمات ارهابية في أوروبا وشراء ذمم رؤساء أفارقة ليطلقوا عليه الاسم الكوميدي " ملك ملوك إفريقيا " . وتصورتُ تبذير أبنائه في نوادي وبارات أوروبا ، وتذكرت سلسلة مقالات " الدكتاتور " التي كتبها الشاعر المرحوم محمود درويش في مجلة " اليوم السابع " كما تذكرت لقاءه الشهير في بناية صحيفة " الأهرام " القاهرية في العام 1971 مع عدد من كبار الكتاب والشعراء والمبدعين ومنهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض ومحمود درويش ، رحمهم الله ، وكيف خرجوا من اللقاء مصدومين من سخافة الرجل وتفاهته كما روت لي الصديقة الشاعرة المرحومة فدوى طوقان ونحن نتناول معا الكنافة النابلسية في بيتها على سفح جبل جرزيم في نابلس بعد عودتها من زيارة القاهرة .
وتذكرت أيضا ما رواه لي الصديق الكاتب والمفكّر د. رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع في مصر الذي دعاهُ العقيد القذافي لزيارة ليبيا فلبّى الدعوة ولمّا وصل إلى مطار طرابلس نقلوه في سيارة عسكرية إلى خيمة القذافي الكبيرة في الصحراء.  " دخلتها فلم أجد فيها ناسا أو أثاثا سوى كرسيّ واحد فجلست عليه أنتظر العقيد. " وروى لي السعيد عذاب الانتظار وحيدا طيلة ساعات بدون ماء وبدون فنجان شاي أو فنجان قهوة حتى حضر العقيد فوقف وصافحه فجلس العقيد على الكرسيّ الوحيد وبقي الضيف واقفا على قدميه . وجرى الحوار بين الرجلين في هذا الوضع الكريم المريح .
هل هناك جنون مثل هذا وهل هناك اهانة لكاتب ضيف مثل هذه؟
لا أرغب بأن أرى العقيد معمر القذافي قتيلا صريعا في خندق أو في شارع أو في ساحة كما يريده بعض أعضاء المجلس الثوري الانتقالي الليبي بل أريد أن أراه في قفص المحكمة أمام قضاة ومدّعين ومحامين وشهود متهما بقتل عشرات الألوف من أبناء شعبه وتبذير تريليونات الدولارات من أموال الشعب الليبي على نزواته وجنونياته ومتهما بتعذيب أبناء شعبه واهانتهم طيلة أربعة عقود ، ومتهما بما جلبه  من تخلف لأمتنا ومن عار لتاريخنا . 
    الشعوب تمهل ولا تهمل فهل يعتبر زملاء القذافي في الشرق وفي الغرب ؟
لقد تحرك المارد العربيّ ونهض من سباته .
هللويا ..... هللويا !!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

عندما يهون الهوان

featured

ليبرمان. الآن بالذات

featured

المخططات الهيكلية الجديدة في البلدات العربية - كلام حق يراد به باطل

featured

مقاوم الاستعمار حسين أبو سنة (1885- 1929)

featured

عندما "يَخْمَل" جلد المرء..

featured

قيادة "كأنّ"

featured

واصل العزف على القيثارة ولو كانت مكسورة

featured

أوامر الهدم الإداريّة