شهد العقد الأخير استعمالا كثيفـًا لأوامر الهدم الإداريّة في البلدات العربيّة داخل الخطّ الأخضر. وقد نفّذتْ سلطات التنظيم والبناء عدداً كبيراً من هذه الأوامر, لتهدم، جراء ذلك ،عشرات المنازل وترحيل عشرات العوائل الفلسطينيّة.
إنّ أمر الهدم الإداريّ هو وسيلة قاسية جدًّا يمنحها قانون التنظيم والبناء، من عام 1965 ،لرئيس اللجنة المحليّة ورئيس اللجنة اللوائيّة لهدم مبنىً, اذ يخوّلهم, بعد توفر شروط معينة, أن يصدروا أمر هدم، دون التوجّه إلى المحكمة ،وذلك إذا لم يمرّ على موعد إتمام المبنى 60 يومًا، ولم يمرّ على موعد سكن المبنى 30 يومًا. يهدف أمر الهدم الإداري إلى التعامل مع المبنى غير المرخّص بشكل فوري، ومنعه من أن يصبح حقيقة نهائيّة. لهذا فإنّ أمر الهدم الإداري يُنفذ خلال 24 ساعة من موعد إلصاقه على المبنى، إن كان مبنيّا دون رخصة، أو خلال 72 في كل حالة اخرى. خلال هذه المدة الوجيزة يستطيع كل من يرى نفسه متضررا من أمر الهدم التوجّه الى محكمة الصلح، أو إلى محكمة الشؤون المحلية، بطلب لإبطال وتجميد أمر الهدم. وحسب القانون، لا تبطل المحكمة أمر هدم إداريّ ،إلاّ إذا تبيّن لها أنّ المبنى ُبني برخصة ،أو أنّ أمر الهدم لا يهدف الى منع وقوع حقيقة نهائية.
وفي الحقيقة, أرى أنّ منظومة القانون والقضاء الإسرائيلي المتعلقة بأوامر الهدم الإدارية, لا تسوّغ هذه الوسيلة الجائرة فحسب، بل تسلب أيضًا من صاحب المبنى حقه الأساسيّ والدستوريّ في الدفاع عن منزله، وحقه الدستوري في الترافع أمام المحكمة. وفي هذا الشأن, أذكر للقارئ العزيز بعضًا من الأمور الهامة المتعلقة بأمر الهدم الإداري والتي تثبت ادعائي هذا:
أولا, في حين يمنح القانون الحق في تقديم طلب إبطال الهدم الأداريّ لكلّ من يرى نفسه متضرّرا, حدّدت المحكمة هذا الحقّ ليقتصر فقط على من له حقوق عقاريّة في المبنى, وهو ما يسلب حقّ التوجّه للمحكمة من كل من يتعذّر عليه إثبات ملكيّته، أو حقوقه العقاريّة في المبنى جرّاء ظروف مختلفة خارجة عن سيطرته. نتيجة لهذا التوجه، رفضت المحكمة عشرات طلبات تجميد أوامر الهدم في النقب لأنّ الفلسطينيين البدو في النقب، لم يستطيعوا إثبات ملكيتهم في أرضهم جرّاء النزاع القانونيّ القائم مع دولة إسرائيل على ملكيّة الأرض والتي تحاول بشتّى الوسائل ترحيلهم من أرضهم.
ثانيا, ظاهرة البناء دون رخصة في البلدات العربيّة تعود مع أسباب عديدة، إلى تقصير لجان التنظيم على مدى عشرات السنين الماضية، في توفير المخططات الهيكليّة التي تمكّن المواطنين العرب من إصدار رخص بناء ، وهو ما اضطرهم للبناء دون رخصة. ومع أنّ هذا الأمر بات حقيقة مثبتة، وقد صرحت عنها "لجنة أور" ومحاكم مختلفة, لا ترى المحكمة في هذا التقصير داعيًا لإبطال أمر الهدم الإداريّ. كما أنّ المحكمة قضت بأنّ تحريك مخطط هيكلي يسوّغ إقامة المبنى, قبل إصدار أمر الهدم, لا يمنع لجنة التنظيم والبناء من إصدار أمر هدم اداريّ.
ثالثا, حسب قرارات المحكمة لا يُجمّد أمر الهدم الأداريّ إلاّ في حالات نادرة. من بين هذه الحالات النادرة, أذكر حالة جمّد فيها سعادة القاضي سليم جبران (قاضي محكمة العدل العليا) أمر هدم إداريّ لأحد المباني العربيّة في القدس المحتلـّة، حتى يتسنّى للمحكمة المركزيّة في القدس البتّ في التماس كان ُقدم للمصادقة على مخطّط هيكليّ يسوّغ إقامة المبنى. مع ذلك, في حالات أخرى شبيهة بها تمامًا، لم تحترم محكمة الصلح قرار سعادة القاضي جبران ،وامتنعت عن تجميد أمر الهدم.
رابعا, في حال رفضت المحكمة طلب إبطال أمر الهدم, تغرّم المحكمة, في أغلب الحالات, صاحب المبنى بمبالغ طائلة، بذريعة أنـّه جمّد أمر هدم إداريّ كان على سلطة التنظيم تنفيذه بشكل سريع. أرى أنّ المحكمة تهدف بهذه الغرامات إخافة أصحاب المباني وحثهم على عدم التوجّه للمحكمة.
خامسا, إنّ الحالات التي ابطلت فيها المحكمة أمر هدم إداريّ نادرة جدًّا. ذلك أنّ المحكمة عبر قرارات مختلفة، سوّغت غالبية العيوب الإدارية التي وقعت في إجراء إصدار أمر الهدم، مع أنّ هذه العيوب لو توفـّرت في إجراء اداري آخر، لكانت أبطلت شرعية الإجراء من أصله.
بفعل هذه الأمور وأمور أخرى ،أرى أنّ أوامر الهدم الإدارية، سلاح خطير يهدف إلى سلب حقوق المواطنين العرب في الدفاع عن منازلهم. ولا تتغير هذه الحقيقة مع التعديل الأخيرالمقترح لقانون التنظيم والبناء. على العكس من ذلك, إنّ التعديل المقترح يزيد إمكانيات لجان التنظيم بإصدار أوامر هدم إداريّة. كما أنّه يخوّل المحكمة أن تشترط تجميد الأمر الإداريّ بكفالة مناسبة, وهو ما قد يمنع كثيرين من المتضرّرين من التوجّه إلى المحكمة ،لعجزهم عن توفير الكفالة التي تحدّدها المحكمة.
خلاصة القول: في الوضع الحالي, على أصحاب البيوت غير المرخّصة التعامل مع أوامر الهدم الإدارية بحنكة تخطيطيّة وقانونيّة, كما تتطلـّب عملاً سياسيًا يهدف إلى إبطال مادّة أوامر الهدم الإدارية من القانون، أو تعديلها على نحو يراعي حقوق الإنسان، والمواطن الأساسيّة كالحقّ في المسكن، وحقّ التوجّه للقضاء.
* يعمل الكاتب أيضا محاضرا لموضوع التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس.
