من يوميات رئيس قسم

single

انتخبت مرّتين لرئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا. وفيهما رأيت وسمعت أمورًا طريفة ونوادر غريبة ما كنت لأراها أو أسمعها لولا وجودي في هذا المنصب الثقيل. ومثل هذه الأمور هي من البهارات التي تخفّف جفاف المناصب وثقل الواجبات. وليت ذكرياتي كانت كلها من هذا النوع الخفيف اللطيف العفيف... لأسفي الشديد ما زلت أذكر حالات محرجة، مقلقة، معيبة لم يُزل التقادم آثارها في نفسي:
1) السفر إلى مصر... جاءت إلى مكتبي يومًا ما وحمرة الارتباك تصبغ وجهها كلّه. كانت طالبة في السنة الثالثة. قالت بعد تردّد إنها تقصدني طامعة في كرم أخلاقي وطيبة قلبي في طلبها الذي أجاءها إليّ. فقلت: وصلتِ! وما هو طلبك؟ قالت إنها لم تدرس جيدًا لأحد الامتحانات لأسباب خاصّة ولذلك رسبت في هذا الامتحان. فجاءت ترجوني أن أرفع العلامة ل- 60 (علامة نجاح). فسألتها باستغراب وإنكار: ولماذا لا تدرسين جيدًا وتتقدّمين مرّة أخرى لهذا الامتحان؟ فقالت إنّ موعد الامتحان لا يناسب برنامجها، لأنها بهذا التاريخ ستسافر إلى مصر إن شاء الله... "إلى مصر! أتسافرين للعلاج؟ لا سمح الله!" سألتها بانفعال والقلق بادٍ على ملامحي. قالت وهي تطرد الشرّ أكثر من مرّة إنها تسافر للتبضّع وشمّ الهواء "والفنطزيّة" مع بعض الصديقات. ولذلك هي تشعر بالخجل أمامي... أصابتني الصدمة لدقائق! وقلت لها: "ولماذا تخجلين أنت؟ إذا كان لا بدّ من الخجل فأنا الذي يجب أن يخجل من نفسه!" فقالت مستغربة: "ولماذا يا أستاذ؟! عدّاك العيب"... بدا عليها أنها لم تفهم قصدي!
2) الحقّ حقّ... رنّ الهاتف في مكتبي بإصرار. كانت الفتاة التي تهاتفني غاضبة جدًا. لم تعرّفني على نفسها وقالت إنني لا أعرفها لأنها ليست طالبة في قسمنا. وهي تتّصل لتحدّثني في موضوع يجب أن يحرجني أنا ويحرج القسم كله.. وقبل أن أسألها أو أعلّق واصلت كلامها بعنف ظاهر وقالت إنها تريد أن "تخوزق" طالبة عندنا في القسم وسمّتها باسمها الثنائي وحدّدت البلد. هكذا قالت من الباب إلى الطاقة بدون مقدّمات كافية وتمهيدات وافية تخفّف من حدّة الموقف. كان كلامها صادمًا، أذهلتني "جرأتها". استفزّني تطاولها الذي لم يُبق ولم يذر كما لو كانت بركانًا كاسحًا. قلت بفطرة الفلاحين واندفاعهم: "عيب!" فردّت بحدّة: قل هذا الكلام لطالبتكم... هي التي لا تعرف العيب! ولا تعرف الأصول! ولم يربّها أهلها! ولماذا؟! قاطعتها بحدّة. فقالت إنها كتبتْ عنها وظيفة سمينار تزيد عن أربعين صفحة "وقدحت لها" ولم تدفع...  فقلت لها: الحقّ معك يا عمّي، وأنت ابنة أصول فعلا، والحقّ حقّ!
3) محرم في الجامعة.... كانت طالبة مجتهدة ونجيبة ومكافحة (بكلّ معنى الكلمة وبدون شعارات) من إحدى القرى في الشمال. كنت أراها كلّ مرّة، قبل أن أدخل فيها إلى قاعة المحاضرات، وهي تجلس مع طفلها وأختها الكبرى التي أرهقها ما رأته من ويلات. كانت هذه الطالبة لا تدخل إلى القاعة إلا حين تراني داخلًا إليها.  تنتظر قدومي لترافقني إلى القاعة في آخر لحظة وكأنها كانت تستغلّ كلّ دقيقة لتجلس مع طفلها وأختها. الحقيقة أني كنت استغرب المشهد. وكان السؤال يلحّ عليّ في كلّ مرّة أراها مع طفلها وأختها. لكني لم أسأل! وقلت في نفسي لله في خلقه شؤون! بدا عليها القلق والخوف. وكاد الحزن العميق الصامت يتفجّر في عينيها المتعبتين. وفي يوم من أيام المساق الأخيرة اقتربت منّي وقالت وكان في صوتها ارتجاج واضح: لا بدّ أنك تساءلت بينك وبين نفسك يا أستاذ عن السبب الذي جعلني لا آتي إلى الجامعة إلا برفقة طفلي وأختي الكبرى! قلت بتحفزّ: نعم! فقالت وعينها تدمع: أختي هي "المحرم" الذي "عيّنه" أهل زوجي لمرافقتي في كلّ مكان... صُدمت وما زلت. وحزنت حزنًا شديدًا يومها وما زلت.. وما زلت أحمل فوق كتفي بعضًا من ذاك الحزن المزمن!


قد يهمّكم أيضا..
featured

يُوَحِّدُنَا وَطَنٌ شَريفُ القَوْمِ وَالنَّسَبِ

featured

المفاوضات والاستيطان، نقيضان!

featured

"يناير" في مرآة "يوليو"

featured

ماذا خلّف بوش من خراب؟

featured

"مشغول وشاغلني فيك"

featured

الولد غالٍ والوطن أغلى