"مشغول وشاغلني فيك"

single
عندما طلب الزبون من البائع، ساندوتش بدون طحينة، أجابه البائع، "متأسف، الطحينة خالصة، شو رأيك ساندوتش بدون بندورة". بدون بندورة. بدون طحينة. مش مهم بدون ماذا؟ المهم "بدون".
وعلى هذا المنوال.. فعندما اتصل بي صديق، سائلاً "هل أنت مشغول اليوم العصر؟ بدي أشوفك؟"، قلت له، بتجهم الخارج من معركة: "متأسف.. اليوم أنا فاضي! شو رأيك نقعد بكرة، لأنو بكرة عندي 3 مواعيد، سألغيهم عشانك".
في هذا العصر، عيب أن لا تكون مشغولاً؟ ماذا سيكون موقفك أمام زملائك المشغولين؟ ومش مهم مشغولين بإيش: بحل لغز أو بحل سودوكو، أو لعب الشدة. المهم مشغولين. وباستطلاع بسيط يمكن ملاحظة ثلاثة نماذج من البشر؛ نموذج الإنسان العادي، أحيانًا مشغول وفي أغلب الأحيان غير مشغول. ونموذج المشغول دائمًا. ونموذج المتفرغ دائمًا.
بماذا مشغول المشغول؟ لا أحد يدري؛ تخاف الاقتراب منه؛ تخاف أن تسأله لئلا تقطع حبل أفكاره؛ وإذا سنحت الفرصة، بالرغم من كل الاحتياطات، وتحدثت معه، فتفعل ذلك مستعجلاً، وبسيل من كلمات الاعتذار: "ما يكونش عطلناك!"، "معلش بس دقيقة!". أما لماذا المتفرغ دائمًا متفرغ؟ لا أحد يدري؛ تتصل به، في منتصف الليل، فيجيبك بكل حماس: "وين؟ على إيلات؟.. آه طبعًا جاي. دقيقة بس ألبس الكلسات!". يعني خلال المحادثة صار الزلمة لابس البنطلون والقميص، ويضيف كأنه هو المستعجل: "ما بتلحق تدوّر السيارة وإلا أنا صرت برة بستناك".
"وبيناتنا"، الناس تعشق الإنسان المشغول، الذي من الصعب الوصول إليه. في قرار نفسي أحسد أولئك المشغولين. أحب أن أكون مثلهم، أولئك الذين تزغرد النسوان عندما تراهم، وهنّ يقلن بلوعة: "يا ويلي عليه.. دايمًا مشغول.. فش عندو دقيقة فاضية يحك راسو فيها".
ومرة أخرى "بيناتنا"، يجب أن يكلف الوصول لأصحاب المناصب، جهدًا ووقتًا ومعاناة، وربما اجتراح بطولة، لكي تصبح قصة الوصول هذه، فيما بعد، روايةً تُروى في الليالي الباردة. فكيف ستُروى الرواية عن مسؤول اتصلت به، وفي الحال قال لك: "تعال أهلاً وسهلاً"، وكل ذلك من الاتصال الأول. هذا المسؤول غير مميّز. والأهم أنه ممل. أين الحيثيات الشرقية لكل قصة؟ أين الخيال الشرقي الجامح؟
تبرز المتعة الحقيقية عندما تروى الحكاية على هذا الشكل، مثلاً: "والله دُخت السبع دوخات ولم أحصل على رقم هاتفه. وبعدين قررت القيام بما ليس منه بدُّ، فذهبت لمكتبه. لم أجده. بدون تردد قصدت المكتب الحكومي، الذي قالت لي الموظفة أنه ذاهب إليه. في المكتب الحكومي، قال البواب: إسا إسا طلع. خرجت من المكتب، وفي الطريق وأنا سارح، وأعصابي متوترة وعرقي يزرب، وإلا مين.. شوف الصدف؟! وإلا هو يا سيدي، قاعد بصلّح بَنشر، ووين؟ في نص الشارع،. نزلت، صلحنا البنشر سوا. ولولاي لكانت سيارة قد دهسته. وبدراما تنفع لأفلام هوليوود: "في آخر لحظة زحتو من قدام ترك مسرع"، وتكون لحظة الختام: "قام يا سيدي عبطني وباسني. قال لي، وهو مدمّع: أنقذتني. بس كان الملعون عارف إني بدوّر عليه، قاللي هات الورقة ووقّعها.". مع هذه المصادفات وهذا الأسلوب الأخاذ في سرد الرواية، بإمكانك أن تذرف الدمع الغزير. هنا الإبداع وطول النفس والحبكة المتينة و.. النهاية السعيدة.
على كل حال، لا شأن لنا بالإنسان العادي المشغول فهذه حالة خاصة، ومشكلة تجابه زوجته وأقرباءه، ولكن ماذا مع ممثل الجمهور، الذي لا يمكن أن تلتقي به، إلا بعد 400 اتصال، نصفها لا يرد عليها، وثلاثة أرباع الباقي يرد عليها المساعد. وإذا اعتقدت أنك ستجد المساعدين أقل انشغالاً فأنت واهم تمامًا، وسجلوا لديكم هنا قانونًا ينفع للعلوم الدقيقة: انشغال المسؤول يفرز بيئة مشغولة، وفي أحيان كثيرة تفوق انشغال المسؤول نفسه؛ فتكون سكرتيرته مشغولة، بالكاد ترد عليك التحية. أما المساعد، فبالإضافة إلى انشغاله الشديد، فهو يريد أن يعرف كل شيء قبل أن يوصلك إلى رحاب السعادة..
وكل هذا والحمد الله لا يوجد لدينا وزراء ولا مدراء عامين، ولا مديري شركات بعشرة آلاف موظف. فماذا سيصبح حالنا إذا صار لدينا رئيس وزراء ووزراء وقضاة محكمة عليا ورؤساء بلديات لمدن بمئة ألف مواطن فما فوق؟ ..
يا أخي انشغل كما تريد! ولكن لماذا تشغلنا بك، كما تقول أغنية المرحوم عبد الحليم حافظ، "مشغول وشاغلني فيك". انشغالنا بك ليس لأننا نحبك، بل لأنك الموكل، رسميًا، بتصريف قضايا الناس. فإذا لم تستطع استقل! "إتريَّح وريحنا".
قد يهمّكم أيضا..
featured

أخلاق أرسطو.. وعالم بلا أخلاق

featured

عندما تمرّد المارد على خالقه في سوريا: تمدُّد داعش في العراق!...

featured

التّغريدةُ الدّاعشيّة

featured

الخصخصة في خدمة كبار الرأسماليين الاسرائيليين والاجانب الذين دينهم دولارهم، وليس الصالح العام كما يدعون

featured

مع عائلتي منتصب القامة

featured

عسكرة زائفة ومبالغ بها في فلسطين

featured

تأمُّلات إغترابية ...خارج مَنْفى المعنى !؟

featured

عبد الله الأسعد(أبو شداد)