في أوائل الستينيات من القرن الماضي كان فرع للحزب الشيوعي في قريتي دير الأسد ضم عددا من الرفاق، اذكر منهم المرحوم شاعر فلسطين محمود درويش والمرحوم محمد سعيد صفي ( أبو نجاح) والسيد احمد علي طه والحاج عبد الرازق أسدي والخال احمد عبد الفتاح أسدي وغيرهم.
كنت أتردد كثيرا على بيت الخال احمد عبد الفتاح وهناك تعرفت على الاتحاد والجديد والغد وكنت شغوفا بقراءة مجلة الغد على الأخص، ومنها تعرفت على أفكار، طروحات ونضال الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومن هذا السن المبكر أعتبر بداية مشواري مع الحزب حيث لم أتجاوز العاشرة من عمري.
في تلك الفترة كانت انتخابات للكنيست وعقد اجتماع شعبي في دار السيد احمد علي طه وقبل الاجتماع أعطاني رفاق الحزب منشورا لكي أوزعه بالقرب من مكان انعقاد الاجتماع، ومما جاء في المنشور "طفح الكيل يا اشكول" ( كان اشكول رئيسا للوزراء آنذاك). وكان الخطيب في هذا الاجتماع القائد المرحوم اميل حبيبي وبينما كنت أوزع المنشور واذ بالبوليس يحاصر مكان انعقاد الاجتماع فوقف المرحوم إميل حبيبي يهاجم السلطة وأعوانها، ويدعو الجماهير إلى مقارعة الحكم العسكري . يومها لم يكن أحزاب أو حركات سياسية تعمل بين الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل سوى الشيوعيين الذين بنضالهم الشاق ،الطويل والعنيد، كما قال القائد توفيق زياد فيما بعد بأننا نحن الشيوعيين البلدوزر الذي مهد الطريق للأحزاب التي ظهرت بعد تلك الفترة بسنوات. واذكرمن كلماته وكأنني اسمعها اليوم وهو يقول" صوّت "ق" ولا تخاف"، وكنت مع أترابي من صبية الحارة نردد الشعار بحماس منقطع النظير.
وأعطي حق الكلام للمرحوم الشاعر محمود درويش لكي يلقي قصيدته الشهيرة سجل أنا عربي... فألهب الاجتماع حماسا وأدى ذلك إلى انسحاب البوليس.
في المعركة الانتخابية التي تلت تلك الانتخابات، كان والدي قد شيد غرفة إضافية من الباطون لبيتنا القديم، فأخذت دهانا وكتبت على الجدار الخارجي للغرفة حرف الحزب. فتوجه بعض من أزلام السلطة وأعوانها في القرية لوالدي بالتهديد والوعيد لكي يزيل ما كتبت. لأن احد مرشحي قوائم السلطة سيزور القرية والحارة بالطبع، والتهديد والوعيد لكي يزيل ما كتب، فما كان من والدي إلا أن رضخ لتهديدهم ،فاخذ القاطعة والبيك (أدوات تستعمل لتكسير الحجارة) واخذ يحفر الدهان عن جدار الغرفة لإزالة ما كتب والشاطر يعرف الباقي فسلمت يداك يا والدي وأطال الله في عمرك.
في أوائل السبعينيات أسس فرع جديد للحزب الشيوعي في القرية وكنت من المبادرين لتأسيسه مع رفاق الدرب إبراهيم خطيب والمحامي قاسم خطيب بتشجيع بعض رفاق الحزب من قرية الرامة. وخلال هذه الفترة جرت معارك انتخابية للكنيست والمجلس المحلي. وقريتنا لا تختلف عن باقي قرانا العربية خاصة في انتخابات المجلس المحلي وكثرة القوائم العائلية، فكان العم والخال تارة والجار والقريب والحبيب تارة أخرى يخوضون الانتخابات للمجلس المحلي باسم العائلة والعائلية. أما أنا فكنت دائما مع عائلتي الكبيرة، الشريفة، المكافحة، والمناضلة ضد الظلم ،التي تحتضن الشرفاء والمناضلين، فهل عرفتم عائلتي التي أنتمي إليها بكل فخر واعتزاز؟؟.
في عام 1998 خاض فرع الحزب الانتخابات للمجلس المحلي بقائمة العضوية فقط. ودار نقاش عنيف وصاخب بين الرفاق في داخل فرع الحزب لدعم واحد من اثنين من مرشحي الرئاسة. فاختلف الرفاق بين داعم لمرشح وآخر، وتناسوا قائمتنا قائمة العضوية. وبعد انتهاء المعركة الانتخابية وفشل القائمة بعبور نسبة الحسم؛ اخذ بعض الرفاق بكيل الاتهامات الواحد للآخر وكانت عدة أخطاء في بعض الأمور. فقدمت استقالتي لفرع الحزب لعدم قدرة فرع الحزب على اتخاذ الإجراءات بحق الرفاق الذين يهاجمون فرع الحزب واتهامه بعدة تهم باطلة ،ورُفضت الاستقالة بينما أصررت على استقالتي.
وبعد عدة أشهر سافرت إلى الناصرة للمشاركة بمظاهرة أول أيار مع أفراد أسرتي وهذا تقليد سنوي، فلفت نظري بان كتب على بلوزات رفاق الشبيبة الشيوعية كلمات خالد الذكر المرحوم توفيق زياد " ديروا بالكو على بعض" فأحسست إحساسا غريبا في داخلي ودمعت عيناي وأنا اسمع كلمات المرحوم توفيق زياد بمكبرات الصوت منتصب القامة... فتوجهت إلى الرفيق إبراهيم خطيب قائلاً له إنني اسحب استقالتي.
واليوم وبعد حل بلدية الشاغور والإعلان عن إجراء انتخابات للمجلس المحلي في القرية بدأ المرشحون يعلنون الواحد تلو الآخر عن خوض الانتخابات بقائمة عائلية، وكل واحد منهم يعلن بأنه الأقوى والاوفر حظا للفوز برئاسة المجلس وان كان أضعفهم، وكل مرشح يغدق الوعود على أصحاب النفوس الضعيفة، بأنه بعد فوزه في الانتخابات سيعين ابنه محاسبا وابن عمه سكرتيرا وابن خاله مستشارا قضائيا وابن عمة خالة ست ستة سيعينها سكرتيرة وهلم جرا..
إلا قائمة واحدة
جميع القوائم بصعوبة بالغة تمكنت من تشكيل قائمتها للعضوية
إلا قائمة واحدة
جميع القوائم تغدق الوعود
إلا قائمة واحدة
فهل عرفتم من هي
إنها جبهة دير الأسد الدمقراطية إنها عائلتي الكبيرة إنها البيت الدافئ لكل مظلوم إنها البوصلة التي توصلنا إلى بر الأمان. فمعها سأسير لتحقيق الهدف، ألا وهو الفوز برئاسة المجلس المحلي، سأسير معها مرفوع الرأس منتصب القامة (مثل ديك الحبش) واللي مش "عاجبه" يشرب من بحر عكا لأنه اقرب من بحر غزة.
مع الجبهة ومرشحها للرئاسة المحامي نصر صنع الله
مع الجبهة ومرشحيها لقائمة العضوية
مع الجبهة لأبد الآبدين
فهل سمعتم يا أولادي ويا أحفادي، هذه هي وصيتي لكم فقط مع الجبهة.
(دير الاسد)
