أخلاق أرسطو.. وعالم بلا أخلاق

single

كرّس أرسطو  كتابه الأشهر عن أخلاق البشر وسماه كتاب "الاخلاق"  كتبه  قبل  ميلاد المسيح عليه السلام  بعدة قرون ومازال  حضوره قويا وصارخا.
كتبه  في بلاده  الاغريقية - أي اليونان  القديمة التي كانت منبع نهر الفلسفة
الخالد الذي لم  يوقفه الزمن عن الجريان  في حياة وفلسفة الناس ولن توقفه  أحداث البشرية لا في الماضي ولا في الحاضر ولا  في المستقبل . سيبقى  هذا الكتاب منبرا وملجأ  ونبعا مقدسا   تنهل منه البشرية المعذبة  في كل زمان ومكان. قال  أمير  شعراء العرب  مرة "  وانما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ُ ذهبت  أخلاقهم   ذهبوا " وقد  أجاد  وصدق وخاصة  أننا في هذا  الزمن  من تاريخ  البشرية  نعيش أزمة  تردي أخلاق  رهيبة  وخانقة على  مستوى الدول  والافراد. نتيجتها أننا  أصبحنا  نفقد  أهم  صفات البشر وخصائصهم التي  أوجدتهم بمجتمعات  واعية التفكير.  وعي  التفكير أو التفكير  الواعي  هي  الصفة  الأساسية التي رَقت  بني البشر ورفعتهم عن  الوجود الحيواني العام . وعي التفكير هذا اذا  لم  يهتدِ بالأخلاق  ضاع  واختفى  وفتح  الباب  للتفكير  غير الواعي  الذي  يقود  التفكير  والفعل الانساني   الواعي  الى الحيوانية  التي تتطابق  مع  الفاشية والنازية والتعصب  الديني على مختلف  وجوهه  وفروعه   والتعصب  القبلي الفئوي   الذي يعود بالبشرية  الى ما قبل مرحلة التطور والحداثة . حدد الفيلسوف  الاغريقي الأكبر  أرسطو  في كتابه  الفضائل البشرية  التي  تُميز هوية الانسان وطباعه وتفضله عن باقي  مخلوقات الأرض  بعد  أن خرج هذا الا نسان من الغابة الى الابد،  وبدأ  يكوّن جماعات عرقية  واثنية  تربطها جميعها علاقات وأواصر متشابهة ومتقاربة  يؤثر فيها  وتؤثر فيه.  حدد  ارسطو   فضائل البشر  وأسهب  في  شرحها  وأكد على ضرورتها   حتى  تكون هذه المجتمعات  انسانية بالمفهوم الشامل للبشرية     بعيدة عن حياة الغاب  وقوانينه  البدائية الغرائزية  التي  تطورت  على   صراع البقاء  وحق الحياة والاستمرار  والتطور  للاقوى كما فسرها  لاحقا   داروين  في كتابه  الشهير " أصل الأنواع  وصراع  البقاء" .
هذه الفضائل هي "الحكمة"  و"العدل " و"الشجاعة"  و"العفة" . عُرفت فيما  بعد  أي بعد  ظهور الوحدانية   المسيحية  بالفضائل  الوثنية  وذاك   تأكيدا  على وجود الله الواحد القيوم الصمد  الذي  خَلق   البلاد والعباد   في سبعة أيام  بأجمل  الصور  وخلق الانسان في أحسن  تكوين . ثم  اختلافا عن  تعدد  الآلهة  في بلاد الاغريق  القدماء الذين  جعلوا  لكل  ظاهرة  وشكل  وسبب وجودا   فوق البسيطة آلهة  مختصة  ومُحددة.  كان " زيوس"  كبير الآلهة  وزعيمها  الذي  يتمتع بسلطة مطلقة على كل شيء .
كانت " حيرا" إلهة  الاولمب  وربة البيت  هناك  وزوجة  زيوس  الشرعية  اذا  صح قولنا هنا  لأنه  امتلك  عاشقات  كثرًا من بنات الآلهة ومن أنصاف الآلهة وحتى من البشر. " فينوس"  كانت إلهة الجمال و"ابولو" إلهة  الحب والموسيقى  و"مانيرفا" الهة الحكمة و"مارس" إله  الحرب  وغيره  كثير من الآلهة التي استوطنت"الاولمب المقدس" منذ الازل . حاربت الوحدانية المسيحية   تعدد الآلهة  كما حاربتها الوحدانيات  الدينية  الاخرى  واعتبرتها عملا مارقا  وكافرا على أصول الدين  واعتبرت  أتباعها  عبدة أوثان كفرة  وهراطقة  ووعدتهم  بأسفل درجات  الجحيم  كما تصورها  وتخيلها  الشاعر  الايطالي الأكبر دانتي أليجيري  في كتابه الشهير "الكوميديا  الالهية " . بدلت  الوحدانية المسيحية  فضائل  الوثنية بأخرى  من لدنها  وهي " ألايمان " و"الرجاء" و"المحبة"  التي عرفت لاحقا  بفضائل الوحدانية المسيحية  التي كونت  حجر الزاوية  ومازالت للكنيسة الكاثوليكية  التي بنت  عليه  صرحا  ضخما وجبارا عمره حتى الآن أكثر من ألفي عام .  لم نتوخ  في مقالتنا  هذه   التمييز  والبحث  عن الأفضلية   بين الفضائل  التي طرحناها  الوثنية  أم  الوحدانية المسيحية وغيرها من الوحدانيات فكلها متشابهة  تدعو الى عبادة الله  الواحد  جل جلاله  واهب الحياة للبشر وباعث المسرة  في قلوب الناس  المؤمنين . المؤمنون   بدورهم .. أحبوا الخالق  ورَجَوه  ويَرجونه بالغفران  والتوبة لتكون  دربهم  سالكة وخضراء  الى جنات  عدن تجري   بها انهار  الخلود  والبقاء الأبدي   بدون  فلسفة  وغاية  هذا البقاء  وما المراد  به   حياة  عبادة وايمان الى الابد  أم حياة  فوز وتحقيق  غايات  بها  من  ملذات  البشرية  الجسدية والروحية ما لا نهاية له. نحن  البشر معظمنا  في مشارف القرن الواحد والعشرين  يؤمن باله واحد ويأمل  ويرجو بمحبة  دوما  الوصول الى درب الخلاص الأخير ودرب الرجوع ألأخير. الخلاص من  ماذا ؟؟  الخلاص  من الجسد  البشري المدنس الذي كان ومازال  سبب الخطيئة الاول وملاذها  من عهد  آدم وحواء ومن ثم الخلاص   من موبقات  الأرض المعذبة  الغارقة بالاثم  والدم والعنف  والمرض والجوع . التوبة والرجاء  والايمان  هي وسائل  تطهير أساسية للجسد وللنفس البشرية  بغية  الخلود   بعد الموت الأرضي  وبعد  فناء الجسد  الذاوي وللوصول  الى باب الأبدية البيضاء للخلود  فيها  أبدا  مع الأنبياء والقديسين والشهداء والبررة  الذين توالوا هناك منذ  عهد  آدم  الى يومنا هذا.
تسير اليوم البشرية  الى حتفها  ضائعة مُستنزفة  مَسحوقة  بعد أن كادت تدمر  فردوسها  الأرضي  وتفرغه  من سر البقاء . هدمت البيئة  الجغرافية والفضائية المحيطة بالكرة الأرضية  وتسعى الى تدمير  سبل   البقاء  على الكرة الزرقاء الواحد بعد الآخر.  فشل مؤتمر  " كوبنهاجن  " الأخير وقبله بسنوات مؤتمر " كيوتو"    في اليابان حول البيئة  في العالم   هو دليل  واضح   على أن  هذه البشرية الحالية  وخاصة الغنية منها   وبالتحديد الامبريالية  الأمريكية  مُستمرة في تدمير ذاتها وتدمير الحياة على الأرض. تسيرُ  بنفسها وبنا  كلنا الى هوة سحيقة  فيها الفناء.  ربما   ننتهي  جميعا في  فراغ  ثقب  أسود  يبلعها  ويبلعنا  والكرة الأرضية معنا . ربما   نعود  بعد ملايين السنين  على بدء عملية تطور جديدة   في كوكب آخر تختلف  فيه  سبل ووسائل الحياة ،  فلا الماء ماء ولا الأوكسجين  أوكسجين  ولا  الطعام  طعام  ولا الحب  حب  ولا  الحياة  حياة كما  نعرفها ونعيشها .
الوحدانية تؤمن  بالخلق  وتؤمن باليوم الآخر ..يوم  يقوم الأموات  من القبور ويلبسون  أجسادهم  ثانية في يوم  الوقفة العظيم  حيث ترتعد النفوس وتخر الأجساد   راجية وتائبة  وذائبة حبا  بالخلق والخالق .  هذا اليوم العظيم  الطريق الوحيد لتطهير النفوس  والغفران . كل نفس  تأمل  بالفوز  الكبير  في جنات النعيم  حيث  شمس القيامة  البلورية  تصلي النفوس   وتبهر الجمال   المطلق  الذي عجز عن تصوره العقل البشري في أسمى تجلياته  حتى لو استعان   بكل منجزات الثورة التقنية- الرقمية الحاصلة  في عالم اليوم .
" أخلاق "  أرسطو  بَدَدتها   رياح العولمة  والاستهلاك   الشرسة . أخلاق المسيح عليه السلام وفضائله  ضيعتها "  فضائل " الرأسمالية  الانتهازية  والأنانية  الحداثية  المُتقننة  المُحوسبة   التي باتت لا تعترف الا  بقانون  الرأسمالية  الديلكتيكي – اذا  صح هنا  هذا   التعبير – الذي يظهر بصورته المادية    المجردة   من الايمان  ومن الرجاء ومن المحبة  ولا يعترف  الا بالاستهلاك المادي الجشع  والاستغلال  ومحصلة  حاصل عملية الربح والخسارة   في العلاقات بين الأفراد وبين المجتمعات. باسم الأيمان  خاضت  أوروبا  مع  نفسها   حروبا دينية دامت  مئات السنين. باسم المحبة للأرض المقدسة الموعودة  حدثت الحروب الصليبية  . باسم الرجاء والمحبة والايمان  شَنت الشعوب الاوروبية  "المتنورة"  حروبا استعمارية  منذ قرون  وما زالت  تعمل جاهدة على قهر شعوب العالم الفقير وتدمير بيئته ومعها بيئتها  وتسير بها وبنفسها الى دروب الفناء. باسم  حب الخالق عز جلاله  وبعزم الايمان  وحرارة الرجاء  تتفجر  الصواريخ الأمريكية الأحدث والسيارت الملغومة   كل يوم  في العراق وأفغانتسان  وبيشاور  وفي  الصومال  والسودان  وفلسطين وأفريقيا  التي تُركت وحيدة تعيسة  فقيرة ومريضة ومُعدمة على حافة هذا العالم .
 اما " العفة" الوحدانية  فقد خلعت ثوبها  ورمته  في وجه الريح وغدت عارية  الا من ورقة التين جامعة لكل  قاذورات  البشرية من قهر واستغلال واغتصاب ونهب وسلب. ما تكاد تنهي  فعلتها  المُدنسة  هنا حتى تمشط  شعرها الوحشي هناك وتشدُ بقايا ثيابها  الفاضحة  منتظرة قوادا آخر.
لا يدفع الضريبة الا الناس العاديون والفقراء الذين كَتب عنهم  دانتي  في القرن  الثالث عشر   في الكوميديا الالهية –   في الفردوس - في النشيد التاسع  والعشرين  ما يلي  " لذا  يعود  قطيع الغنم  الجاهل الى البيت ليلاً  ولم يأكل سوى الريح ..فلا يرون  ولا يشعرون  بالظلم الواقع عليهم " ..
الانسانية اليوم مُعذبة  في كل مكان في أفريقيا وفي غزة  وفي العراق والصومال  وفي الهند وفي دول أمريكا الجنوبية الفقيرة .  تعيش هناك على هامش الحياة  غابت عنها كل الفضائل  الوثنية والوحدانية التي ما زالت تدور في أروقة الاولمب وفي الفردوس السماوي الموعود  حائرة  تبحث  عن جسد  تتقمصه   في  هذا العالم  الواقعي الذي نحياه والتي عمت موبقاته  وآثامه آخذة معها كل الفضائل .
أين " الحكمة "  في  حصار قطاع  غزة  وتجويع شعبه  وناسه  حتى لو افترضنا أن الهدف المعلن  منع  تصدير " الارهاب "  هو الصحيح ؟؟.  أولا الا  نختلف   في تفسير هذا الارهاب وأسبابه  وثانيا  ألا يولد  هذا  الضغط  الهائل  على أناس ذنبهم الوحيد  وجودهم المجرد  في بلادهم الانفجار تلو الآخر والذي ستكون نتائجه كارثية للشعبين  في هذه  البلاد المعذبة منذ بداية التاريخ. .  هل من المعقول أن تدور المأساة هناك   الى الأبد ؟ ألا خلاص  في الايمان والرجاء والمحبة؟ ؟؟؟.    المأساة   الفلسطينية اتسعت ووسعت   تدور رحاها  منذ   قرن ولا  نهاية  بادية لها في الأفق القريب. يقولون ان  هوميروس  الشاعر الاغريقي الفذ   صور في الياذته..  ملحمته  الشعرية  الخالدة حرب طروادة  وحصارها التي دامت عقودا  لكن  هوميروس ذاته   يكتب  في مكان آخر أن  تلك الحرب التي  كتب عنها ملحمته  تلك دامت تسعة أعوام ؟؟.
أين "  العدالة " عند  النظام  المصري الذي  يساعد   في حصار غزة .   وأين   عزيمة  وارادة الشعب المصري وهو أقدم  شعوب الارض وأكثرها خبرة وعطاء  للبشرية  على مر العصور.  كيف  يتفق  ويرضى  على  إغلاق الحدود  مع غزة تحت  سطح الارض بسور فولاذي  كيف يشارك  في منع جريان الحياة  وهو  أصل الحياة؟ على  هذا الشعب  العربي الأبيّ أن لا ينسى مع التأكيد  على حقه  المطلق على حدود بلاده كلها  برا  وجوا وتحت الارض أيضا  ان الأنفاق  تلك التي بينها وبين  غزة  وُجدت  بسبب الحصار الرهيب وبالأساس  لتهريب" الدقيق والسكر والرز والزيت  والدواء  وتهريب الحياة  وأسباب بقائها . لم يبق لنا بعدما غادرتنا   الفضائل  كلها الوثنية  والوحدانية  الى عالمها البعيد الا  القول عن  حالنا  نحن البشر هنا كما هي  حال رفوف الزازير  والقطا المهاجرة  نعيش  حيرة أبدية   نبحث  عن أسباب  بقائنا.  تبحث  هي  عن طعامها وغذائها  تحت شمس العالم  البعيد وهربا  من  صقيع الشمال  حتى تختفي  في الأرض اليباب .. كما هي  حال النوارس   البحرية الهائمة  المهاجرة أبدا لا تهبط  الى أدغال القصب على الشاطئ الجميل  لتصنع   عشها ولتضع بيضها  في دورة حياة  جديدة. أنا   دوما أراها عندما أزور شاطئ العذاب  ذاك  مُحلقة  فَزعة  صارخة في دورة فراغ  أبدية  شقية لا تنتهي.
(شفاعمرو)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

ايهود براك واستهبال الناس

featured

البوصلة لن تضيع والاحتلال إلى زوال

featured

المماطلة: لعنة أم بركة!

featured

فقيد الصحافة العربية

featured

المحبة تعمر الاكوان

featured

عام طوى سجله وختم عمله

featured

ويسمّونها "شراكة"!