"يناير" في مرآة "يوليو"

single

"يوليو" تحوّل من انقلاب إلى ثورة، ويجب الحؤول دون تحويل ثورة "يناير" العظيمة إلى مجرّد انقلاب!


* حضور متواضع في مسجد العباسية.

في 28 أيلول الماضي وصلتُ مصر لأنضم لزائري ضريح جمال عبد الناصر في ذكرى رحيله الأربعين. داخل مسجد العباسية الحاضن للضريح كان الحرج سيّد الموقف، بالنسبة لي على الأقلّ. سألت الصديق أمين اسكندر أمين عام الحزب الناصري: أين الناس؟ فردّ ببعض الكلمات المقتضبة: الثورة المضادّة قويّة، تصوّر أن أيًا من وسائل الإعلام لم يتعرّض للذكرى، ماكنة سياسية وإعلامية ضخمة تعمل على حجب ثورة يوليو عن الأجيال الشابة". عبد الحكيم جمال عبد الناصر قال بأن الناس ما زالت هي ذات الناس المؤمنة بطريق الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ولكنّ هذا الإيمان مغطى بطبقات من البؤس واليأس والخوف والفقر المدقع.
عند خروجي من المسجد تابعت الصحف اليومية، فصُحف "مات الملك عاش الملك": "الأهرام"، "الجمهورية" و"الأخبار" وهي حاضنة المشروع الثوري في الخمسينيات والستينيات، لم تشر إلى الذكرى الأربعين لوفاة قائد ثورة ما فتئ نظام السادات ومبارك يدّعي السير على خطاها! "الأهالي" اليسارية خصّصت تقريرًا، و"الكرامة" و"العربي" الناصريتان خصّصتا صفحاتهما كلّها للثورة وقائدها، و"العربي" أفردت ملحقها لعرض الصفحات الأولى من الصحف التي صدرت نهاية أيلول وبداية تشرين العام 1970، أيام وفاة الرئيس. الصوَر لا تكذب ولوعة ملايين المصريين تفرض نفسها عليك. فتقول في سرّك إن الملايين صادقون لا ريب في ذلك، ودليلي أن خروجهم إلى الشوارع تمّ وناصر في أقسى مصائره، بعد الهزيمة وخطاب التنحّي، وفي أعقاب وفاته. فعدتُ للتفكير بالحضور المتواضع في مسجد العباسية، وسؤال يلحّ: أين هؤلاء الملايين؟

 

* بين ثورتين

واندلعت الثورة بعد بضعة شهور، عشرات الملايين ينضمون إلى الألوف المحتشدة، والإنسان يبحث عن أمانيه المُختزلة بكلمة واحدة: الكرامة. الكرامة الشخصية والقومية وفي صُلبها العدالة الاجتماعية.
والذكرى الحالية لثورة "يوليو" تُقحم عليك قراءتها في ظلّ "يناير"، وفي المقارنة ظُلمٌ للشباب الأبطال الذين أشعلوا الثورة في ميدان التحرير، لأنهم كانوا ثوريين في ظروف غير ثورية، بخلاف ثورة يوليو التي نشأت في مرحلة عمّ فيها المدّ الثوري والاشتراكي أرجاء المعمورة، وكذلك فالمكانة الاجتماعية لعدد كبير من قادة ثورة يناير كأبناء لطبقة وسطى لا تساهم في تعزيز وعيهم الطبقي، وإن عصر "كامب ديفيد" وخنق الأصوات الوطنية والقومية والأممية لم يُهيّئ وعيًا شعبيًا حاضنًا لهؤلاء الشباب المولودين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.
في يناير اعتصم شبابُ الطبقة الوسطى في الميدان، لكن الفلاحين في الغيطان والعمال والمستخدمين في المدن حولوها إلى ثورة شعبية ذات مضامين اجتماعية واضحة، وهم الذين مهّدو للثورة ذاتها عبر اضراباتهم المتزايدة والآخذة بالانتشار أفقيا وعاموديا في السنوات الأخيرة خاصّة عمّال المحلّة. ومع ذلك تخشى أن يحوّلها اعداءُ الثورة وركائز النظام البائد كقادة الجيش، إلى مجرّد انقلاب ضد رأس الهرم وزبانيته المقرّبين مع الإبقاء والمحافظة على الهرم الفاسد ذاته. وذلك بخلاف ثورة يوليو التي بدأت بانقلاب عسكري لم يشارك الناس فيه، لكن سرعان ما تحوّل إلى ثورة يدعمها ملايين الناس، ثورة اجتماعية وسياسية بكلّ المفاهيم.
في يناير كان المطلب الاجتماعي حاضرًا بقوّة، فهنالك فاسدون ينهبون خيرات مصر وهؤلاء يجب استئصالهم، ولكنّ الثورة لم تقترب إلى المفاهيم الاجتماعية الساطعة في ثورة يوليو، فمبادئ يوليو الستة بدأت بالقضاء على الإقطاع (البند الأّول) والقضاء على سيطرة رأس المال في الحكم (البند الثالث) وإقامة عدالة اجتماعية (البند السادس والأخير) وغيرها من المبادئ التي تصب في الاتجاه الاجتماعي ذاته كالقضاء على الاستعمار (البند الثاني) وإقامة حياة ديمقراطية سليمة (البند الرابع). ومن صميمية البُعد الاجتماعي الطبقي لثورة يوليو أن قانون الإصلاح الزراعي الثوريّ قد سُنّ 59 يوما بعد الثورة فقط، وكذلك إجراءات توزيع الأراضي ومجانية التعليم وغيرها. إن القارئ لخطاب عبد الناصر الذي تحوّل إلى كتاب "الميثاق"، ينتبه فورًا إلى تقديره لقادة وإصلاحيين سابقين أمثال محمد عبده وإصلاحه الديني، ولطفي السيّد ببُعده المصري المحلّي، وقاسم أمين في تحرير المرأة، ويقدّر البُعد الوطني لثورة سعد زغلول، ولكنّ القارئ يُفاجئ من الحدّة الثورية في نقده لهم كلهم على إغفالهم البُعد الأهم والأعمق، حسب رأيه، وهو البُعد الطبقي، الذي يرى ناصر أن لا ثورة جوهرية دونه. وفي طيات الكتاب تجد تعابير مستقاة مباشرة من القاموس الماركسي، نحو: "النقد والنقد الذاتي" "الرجعية" "حتمية الحل الاشتراكي" "الحتمية التاريخية" "الاشتراكية العلمية" ألخ.
في يناير تشعر أن البُعد الفلسطيني والعربي والعالمي متواجد ولكن بتواضع، فتجد البُعد الفلسطيني بتعبيرات الغضب من سياسة مبارك تجاه غزّة، وتجاه اتفاقية "كامب ديفيد" المهينة. ولعلّ بند "بيع الغاز" هو الأكثر سطوعا. إن ثورة يوليو بمبادئها الستة لم تشمل أي من هذه الأبعاد، ولكنّ فلسطين كانت حاضرة بقوّة. ففي الفالوجة وُلدت الثورة المصرية كما قيل كثيرًا، أو كما قال ناصر في كتابه "فلسفة الثورة" : "ولم ألتقِ في فلسطين بالأصدقاء الذين شاركوني في العمل من أجل مصر، وإنما التقيت أيضًا بالأفكار التي أنارت أمامي السبيل"، وعندما استلم هو نفسه رئاسة الجمهورية (1954) انفجر بُعد التضامن الأممي في باندونغ (1955) ومن ثمّ إقامة "دول عدم الانحياز" والصداقة مع الاتحاد السوفييتي، وانفجر البعد العربي في  حرب السويس (1956) وأصبح لمصر دورٌ استثنائي في الساحتين العربية والعالمية.
في يناير شعرنا بأن الرجل والمرأة متواجدان بقوّة في ميدان التحرير، وشاهدنا صلاة الأحد والجمعة فيه، وكان هذا رائعًا، وإن بدت سعادة البعض وترويجهم الجذل لعدم وجود تحرّش جنسي ومدّ الأيدي على الفتيات أمرًا محزنًا وانجازًا سخيفًا نسبة لمرحلة ثورة يوليو ولأي جو اجتماعي طبيعي. وكذلك فعلى كل التقدميين أن يقلقوا من أن يسرق "الإخوان المسلمون" الثورة، وهم الذين أتاح لهم السادات العمل وأطبق على الشيوعيين والناصريين كما يليق بـ"الرئيس المؤمن"، وتواصل الشدّ والجذب هذا في عهد مبارك، وهم الذين قايضوا عمر سليمان في معمعان الثورة الحالية ويواصلون اليوم فتح قنوات الحوار مع أمريكا. ويَقلق الوطنيون من الأخبار التي وصلتنا تباعًا أبّان الثورة، قُبيلها وبُعيدها، عن الاقتتال الطائفي بين مجموعات من أبناء مصر المسلمين والأقباط. هذا كلّه هو النقيض التام لأجواء ثورة يوليو ومشروعها الحضاري حيث النسيج الاجتماعي بين أفراد وطائفتي الشعب المصري، وحيث تميّزت المرحلة بالعلاقة الطبيعية والإنسانية بين المرأة والرجل، وهي مرحلة انتعش فيها الأدب والشعر والصحافة والموسيقى والغناء والمسرح والسينما. وهل تأتى القفزة الفنيّة دون الكرامة الوطنيّة؟!
هُنا لا يمكن اتهام الثورة بالاقتتال الطائفي والردّة الاجتماعية، بالعكس تمامًا، فالنظام هو المسؤول والمحرّض والمستفيد من هذه الردّة. ولكنّا نطمح في أن تكون هذه القضايا الاجتماعية في صُلب الدستور العتيد والممارسة الحياتية للشعب المصري كقضية مركزية لا لُبس فيها.

 

* عن ناصر وأصالة الفلسطينيين.

عندما تغذّ منظمة التحرير الفلسطينية الخُطى إلى الأمم المتحدة في أيلول، وما سبقها من الانتفاضات والنضالات الشعبية التي قام بها الشعب الفلسطيني في العقود الأخيرة، فهذه الجهود مجتمعة تهدف، أساسًا، إلى إنهاء احتلال حرب الـ67 التي هُزم فيها ناصر وانتكس مشروعه الكبير، فعلام كل هذا التقدير الفلسطيني لشخصية ناصر ومشروعه؟!
الجواب على هذا السؤال يُختزل في كلمة عميقة في وجدان البشرية: الأصالة.  فالفلسطينيون يعرفون أن الثورة المصريّة كانت الردّ القومي الغاضب على نكبة فلسطين ناهيك عن القضايا المصرية الداخلية، ويعرفون أن مصر عبد الناصر قدمت آلاف الشهداء على مذبح فلسطين، وأن جزءًا أساسيًا من دواعي تكالب أمريكا والغرب عليه نتيجة معاداته لإسرائيل كرمى لقضية فلسطين، ويعرفون أن ناصر قضى وهو يحقن الدم الفلسطيني النازف في عمّان، باذلا جهودًا تفوق إمكانية قلبه الضعيف.
ولا يُخفى على أحد عمق البُعد الرومانسي في هذا التقدير، فالرجل أشبه بالأبطال التراجيديين الذين تقدّرهم وتساندهم في الحياة المعاشة كما في الروايات وأفلام السينما، فعندما يَطرد الملك تصفّق له، وعندما يؤمّم القناة ويطرد الانجليز ترى به بطلك المنتظر، وعندما ينحاز للاتحاد السوفييتي ودول عدم الانحياز ويُعادي أمريكا تقول إن هذا الرجل هو المعجزة التي هبطت عليك، وعندما يقيم الوحدة مع سوريا تلهث خلفه، وعندما ينتصر إقطاعيو سوريا على الوحدة تخوفًا من مشاريعه الاشتراكية تقول إنني مع هذا الرجل وضدّ هؤلاء، وعندما يساند ثورتي الجزائر واليمن ضد الاستعمار الفرنسي وضد مشايخ السعودية تكون إلى جانبه في قمّة حماسك. وعلى المستوى الداخلي تُعجب من الإصلاح الزراعي ونزع الملكية من الإقطاعيين وتوزيع الأراضي على أصحابها الفقراء، وتقدّر مجانية التعليم وبناء السدّ وكهربة الريف ومصانع الصُلب وتمصير الشركات الأجنبية... وعندما تجتمع عليه أمريكا وإسرائيل ويتواطأ عليه ملوك العمالة ومشايخ النفط ويطعنوه في الصميم، يقوم بطلك من بين الأنقاض مثخن الجراح، يلملم أعضاءه ويسير بوهن ولكنّ يواظب على السير.. هذا هو البطل التراجيدي الذي تتعاطف معه الناس في كل الأزمان.
نجد هذا في تعبير صادق للشاعر الشعبي الرائع أحمد فؤاد نجم، الذي اُعتقل في الستينات لـ"طول لسانه" فينظم عن ناصر في سنوات السبعينيات:
ظابط فاجومي من جنسنا  ما لوش مرا سابت
فلاح قليل الحيا   إذا الكلاب عابت
ولا يطاطيش للعدا  مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزة     وحاجات كثير خابت
عاش ومات وسطنا    على طبعنا ثابت
وإن كان جرح قلبنا     كل الجراح طابت
ولا يطولوه العدا    مهما الامور جابت

 

فلنخرج من الرومانسية إلى النقد الموضوعي، فتغييب الديمقراطية والنظام البوليسي كانت عقب أخيل الناصرية، ولا يشفع هنا الحديث عن طبيعة الحرب الباردة وطبيعة سنوات الخميسنيات بُعيد المرحلة النازية والفاشية، أو رفض مقارنة عقلية القرن الواحد والعشرين بسنوات الستينيات من القرن الماضي، فكلّ هذا يُفسّر ويضع أمور في سياقاتها، ولكن يبقى الخطأ خطأ، وكذلك يجب نقد الخطاب الشعبوي في المرحلة الناصرية على حساب المهنية والنقد والمراجعات العلمية وهذا هو المأخذ الرئيسي الثاني، برأيي.
* * *
إن شعبنا وأحرار العالم الذين شاهدوا صور ناصر وأغاني الثورة المصرية في ميدان التحرير، يريدون الآن أن تشتقّ "يناير" من "يوليو" أبعاد الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وأن ترفقها بالديمقراطية والحقوق المدنية المغيّبة في "يوليو" من أجل العزّة لشعب مصر، وإذا عزّت مصر عزّ العرب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

دولة يتلاشى فيها اليسار

featured

كلمة السلام ترهب الاستعمار

featured

قبل أن يخصخصوا لنا الهواء..

featured

بداية ونهاية الحرب هنا في فلسطين

featured

"الاتحاد" تضيء الشمعة السابعة والستين

featured

أم مصطفى وداعًا

featured

تقييم خطاب عبّاس

featured

"الأمن" كبغل يُمتطى للمصالح!