مستوطنة مغرون هذا الأسبوع: سرطان الاستيطان يتفشى.
- السلام العادل خيارنا، لكن السلام يصنع مع محبي السلام، فهل وجدت حكومة في إسرائيل ومنذ قيامها، اختارت السلام وجهتها؟ حتى حكومة رابين صاحب تكسير العظام لم تكن كذلك*
//
لقد ناضل الشعب العربي الفلسطيني من أجل التحرر من نير الاستعمار البريطاني، وكانت ثورة 1936 ضد هذا المستعمر، التي ذهب ضحيتها العشرات، بل المئات. وفي أواخر الأربعينيات كانت المؤامرة الكبرى على هذا الشعب الصابر، بالتزامن مع انسحاب وخروج المستعمر البريطاني من البلاد، حيث اتخذت الجمعية العمومية "الأمم المتحدة" قرارا يقضي بتقسيم البلاد إلى دولتين، الأولى للشعب الإسرائيلي، والأخرى للشعب العربي الفلسطيني، ورأى الشيوعيون العرب (في عصبة التحرر الوطني) بهذا القرار منفذا لتحقيق السلام ولحق تقرير المصير لكلا الشعبين، رغم أن القرار لم يكن عادلا بالنسبة للشعب الفلسطيني، ألا أنه كان الأكثر قابلية للتنفيذ في تلك الظروف. ولم ينفذ بكامله، لأن الملوك والرؤساء العرب الغارقين في عمالتهم للاستعمار رفضوه، واستطاعوا أن يقنعوا القيادة الوطنية الفلسطينية برفضه، والحركة الصهيونية المتطلعة لإقامة دولة إسرائيل على كامل التراب الفلسطيني ومن بعدها إسرائيل الكبرى، مع تواطؤ وتآمر الاستعمار البريطاني الذي وعد الحركة الصهيونية بإقامة دولة لليهود في فلسطين وفقًا لوعد بلفور المشؤوم.
ولم تقم الدولة الفلسطينية، بل قامت إسرائيل على الأراضي التي نص عليها قرار التقسيم وفي الجزء الأكبر المعد للدولة الفلسطينية، في حين بقيت غزة تحت سلطة الملك فاروق في مصر، والضفة الغربية تحت سلطة الملك عبد الله الاول في الأردن.
مما لا شك فيه أن قرار عصبة التحرر الوطني ومن ثم الحزب الشيوعي الإسرائيلي بقبول قرار التقسيم من العام 1947 كان صائبا، وذلك من خلال رؤيتهم للمؤامرة التي تحاك ضد حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته، وهكذا كان.
لقد استمر الحزب الشيوعي الإسرائيلي بالتمسك بقرارات الشرعية الدولية مطالبا بحق الشعب العربي الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وحق اللاجئين بالعودة والتعويض. إلا أن ممارسات حكومات إسرائيل المتتالية الرافضة لهذا الحق وإقامتها المستوطنات في الجليل والمناطق الأخرى المعدة للدولة الفلسطينية، وبعضنا يتذكر مقولة بن غوريون عندما حلق في سماء الجليل "اشعر بأنني احلق فوق سوريا"، ولذلك اتخذ القرار المشهور بتهويد الجليل لتتغير معالم هذه المنطقة الجميلة في فلسطين، ولكي يغير موقعها الديموغرافي والجغرافي، حتى يصبح من غير المعقول والمقبول التمسك بقرار التقسيم من العام 1947، وهكذا كان.
إن التطورات المتتالية في منطقتنا وخاصة ما أعقب حرب الأيام الستة أو كما يصفها القرضاوي "بالساعات الست"، واحتلال إسرائيل لكامل التراب الفلسطيني أي غزة والضفة الغربية، كل ذلك لم يغير عندنا مطلب تقسيم البلاد حسب الشعار "دولتان لشعبين "، إلا انه طرأ تغيير جغرافي على هذا المطلب واقتنعت بذلك منظمة التحرير الفلسطينية، واستبدلنا قرار التقسيم 1947 بحدود الرابع من حزيران 1967، أي أن دولة فلسطين تنازلت عن حقها في المناطق التي تقع خارج الضفة الغربية وغزة.
إن حكومات إسرائيل المتتالية وبما فيها حكومة رابين الموقعة على اتفاق أوسلو، ساهمت في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وغزة، وأحدثت واقعا جديدا، حيث بنيت عشرات المستوطنات والمدن التي يعيش فيها أكثر من نصف مليون مستوطن يهودي عنصري، ولا يزال هذا الاستيطان ينمو ويتطور إلى يومنا هذا، كما فعلت في الجليل وبقية المناطق الفلسطينية، ليصبح مطلب حدود الرابع من حزيران عام 1967 غير مقبول وغير واقعي، وهكذا هو الأمر.
إن شعار حق الشعوب بتحرير الشعوب، دولتان لشعبين، مبدأ لن نتنازل عنه، لكن أين هذه المرة؟ أين ستكون حدود الدولة الفلسطينية ؟ تبادل أراض ؟ تعديلات هنا وهناك؟
فإسرائيل وحركتها الصهيونية مستمرة بالضحك على ذقوننا كلنا، من المحيط إلى الخليج، القومي، الاممي، العلماني والمتدين، فهي مستمرة بتغيير الواقع، ونحن ننسجم حسب متطلبات هذا الواقع الذي تفرضه بالقوة.
إن السلام العادل خيارنا، لكن السلام يصنع مع محبي السلام، فهل وجدت حكومة في إسرائيل ومنذ قيامها، اختارت السلام وجهتها؟ حتى حكومة رابين صاحب تكسير العظام لم تكن كذلك.
نحن نريد أن تقوم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس بمفاوضات سلمية، مع من يريد السلام، وكلي أمل أن لا تصبح مقولة عبد الناصر الشهيرة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" هي شعار المرحلة المقبلة.
