عندما يتملّك اليأس وجدان وكيان أحدنا نجده يعود بحنينه إلى الماضي...
ألم يتذكر انطونيو وطنه وهو على شفا اليأس والهزيمة فجثا على ركبتيه يعتصره الحنين إلى الوطن فلقّنه أمير الشعراء قصيدة (حنانك روما) في مسرحية أفعى النيل (كليوبترا)؟
عندما يغرز الخريف أنيابه في أعمارنا، نستحضر ربيع العمر ترياقًا لنمحو يأسنا وقنوطنا..
هكذا نحن عندما نواجه النهايات، نتذكر البدايات.. عندما تلفّنا المرارة نستمرئ حلاوتها ولو إلى حين.
لنجلس في حلقات المسنين من أجداد وجدّات ونسمع قصص البطولات عن أيام الصبا والشباب يوم كان المُسِّن سِنانًا والجدّ جادًّا في اجتراح المعجزات!
سيف الماضي سيفٌ ماضٍ في حياة امتنا.. نُشهره صباح مساء لنتنفس ذكريات مواقع العرب في حطين واليرموك عسانا نمحو ندوب هزائمنا في هذا الحاضر الدامي الدميم!!
هل أصبحنا من أهل اليأس ليتسلط علينا سلاطين يُسلطون علينا سيوف القمع لنبقى مهزومين مهتوكين قابعين في خيام ومخيمات البؤس والذعر؟!
إن حياتنا المهزومة المهزوزة هذه الأيام تُعيد إلينا ما تردّد من أحاديث يوم انهارت جيوش العرب فتناثرت مع تقهقرها وانهيارها تضاريس فلسطين.
لا استطيع في هذا المقام تجاهل ما قيل أيامها بأن العرب مجتمعين تآمروا على فلسطين لتغيب عن ترابها!!
أنفسهم حكام الماضي هم حكام الحاضر.. في محضر هكذا حكام محكوم علينا بالاندثار والتسربل بعباءات العار والشنار..
كيف يمكن لوصوليّ مأجور خلع ثياب العار واعتمار إكليل الغار؟!
إن استهداف اللاجئين الفلسطينيين وفتح باب تهجيرهم خارج سوريا، يعيدهم إلى حالة تهجير وتشتيت ثانية وقد يعقبها ثالثة ورابعة طالما تحتضن جامعة الدول العربية مندوبين وممثلين لا يختلفون عن أفاع بشرية تلوّث دماءنا بسُمّ خداعها بغية البقاء في السلطة وإبقاء شعوبها في بؤر الخضوع والخنوع.
إن الذين تآمروا على فلسطين وهندسوا ضياعها هم اليوم الذين يحاربون في ديار الشام ليجددوا مأساة فلسطين وخلْق مآسٍ مماثلة تُبقي العرب رازحين في دنيا العذاب. إن المجموعات المسلحة التي تعمل على شطب المخيمات الفلسطينية تنضوي تحت رايات أمريكية تبارك التكفير والتخوين لإبقاء شعوبنا شعوب هزائم تنقصها العزائم والهمائم..
إنهم بأسلحتهم الحَمَدية الخليجية النفطية يُعيدون اقتلاع الفلسطينيين من خيامهم لا ليعودوا الى وطنهم المنشود في دولة معترف بها إلى جانب دولة إسرائيل بل للانضمام إلى فلسطينيي الشتات في كندا واستراليا والدول الاسكندنافية.