أمنيتي في الحياة أن يأتي اليوم الذي أزيّن فيه جواز سفري بختم دخول دولة فلسطين الحرة ذات السيادة الكاملة
في طفولتي حكى لي والدي رحمه الله الذي كان يستمع في الإذاعات عن أخبار الحرب عن ذلك العدو الذي زرع نفسه زرعا في ارض فلسطين، حارقا أشجارها ونخيلها وزيتونها، مرتكبا أبشع المذابح في التاريخ، وكنت أستمع لكوكب الشرق أم كلثوم وهي تغني للكبار نزار قباني وعبد الوهاب "عشرين عامًا وأنا ابحث عن أرض وعن هوية"، ولكن العشرين عامًا أصبحت واحدا وستين عامًا، ويثبت الفلسطينيون كل يوم من هذه السنوات أن لهم حقا في هذه الأرض سواء بمفاتيح بيوتهم القديمة أو بالدماء التي لم تتوقف يومًا واحدًا.
في تونس تفاعلنا مثل كل العرب مع قضية فلسطين، فاحتضنت قرطاج منظمة التحرير الفلسطينية، ووقفت تونس كلها مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وانفتحت أبواب تونس الزرقاء ترحب بالفلسطينيين واعتبرنا استضافتهم أقل تكريم لهم على بطولاتهم ووقوفهم بصدور عارية وأحجار صغيرة في وجه بنادق المحتل في انتفاضة وقف الإسرائيليون أمامهم موقف العجز، فتعلم جيلي من التوانسة الذين لم يعاصروا فترة الاستعمار كيف تكون محاربة المحتل، ففلسطين أعطت لنا قضية نعيش من أجل تحقيقها.
نكبة فلسطين ليست مقالا أو كتابا نصدره، بل هي صحيفة يومية نطالع في صفحتها الأولى حالنا وهواننا، ونرى في صفحاتها الداخلية صور المذابح التي ارتكبتها عصابات الصهاينة التي خرج من رحمها سياسيو اسرائيل وقادتها الحاليون، ونجد فيها أخبار أهل لنا لا يزالون يقاومون ويحتفظون بمفاتيح بيوتهم في حيفا والناصرة، وينجبون أطفالا في أريحا ونابلس يعرفون قبل ولادتهم عدوهم، وعندما يكبر هؤلاء الأطفال نرى صورهم في الصفحة الأخيرة من جريدة أحوال الأرض المحتلة، وبداخلهم الأمل ليدقوا بأيديهم أجراس كنيسة المهد ويكبرون في المسجد الأقصى ما علوا تكبيرا.
كل فنان يتمنى أن يغني في أهم مسارح العالم، ولكن أمنيتي في الحياة ان يأتي اليوم الذي أزين فيه جواز سفري بختم دخول دولة فلسطين الحرة ذات السيادة الكاملة، واشارك بتدشين مهرجان القدس العربية للاغنية، واحضر احتفالات ذكرى تحرير كامل التراب الفلسطيني، واغني في أريحا ونابلس وغزة ورام الله، ومهما زاد عدد سنوات النكبة، ومهما حاولوا اغتيال معنوياتنا قبل أجسادنا، سوف يأتي ذلك الذي ينتهي فيه هذا الزيف ويعود الأبناء الى ديارهم، ويومها سوف أقف في اكبر ميادين فلسطين لاغني لكل بطل وكل شهيد وكل أم فلسطينية وكل طفل حمل حجرا وألقاه في وجه لصوص الأوطان، هذا وعد مني لكل حبة رمل في أرض فلسطين الطاهرة.
