حين تتظاهر الجبهة ضد الاحتلال مع بعض ممارسيه !

single

لا يزال حزب "ميرتس" يرفض مواقف رافضي خدمة جهاز الاحتلال، بل إنه يهاجمهم ويحرّض عليهم. وهو يرفض مساندة الدعوات الى رفض الخدمة العسكرية الضميري والسياسيّ (حتى لو اقتصر الرفض على المناطق المحتلة)، علمًا بأنه لم ينقطع عن تأييد حروب اسرائيل، وآخرها على لبنان 2006 وغزة 2009 (اللهم سوى نقد خافت للجزء البرّي من الحروب، خوفًا على سلامة الجنود الشبّان. أما القصف المدفعي والجوّي الإجراميّ على بيوت المدنيين العزّل، فلا تشوبه شائبة في عُرفه الأعوج!). وفي الوقت نفسه، لا يزال "ميرتس" يبدع ويبرع نفاقًا بقوله الاستعراضي لضرورات التجميل المصطنع إنه يعارض استمرار الاحتلال.
إن الحزب الذي يعارض الاحتلال بالفعل لا يوجد أمامه سوى الدعوة الى رفض خدمته بأيّ شكل من الأشكال. وكل سلوك يخالف هذا المبدأ لن يكون سوى ضرب من النفاق والتلوّن والجُبن. وهذه الضروب الثلاثة تنطبق بحذافيرها على هذا الحزب الذي لا يجرؤ، في اللحظات الحاسمة، على مواجهة "الإجماع القومي" الاسرائيلي المسمّم بالاستعلاء والعنف والحرب. ويمكن للجميع أن يتخيّلوا كم من طيّاري المقاتلات الجوية الاسرائيلية التي عاثت في غزة قتلا وتدميرًا، هم من أتباع "ميرتس" الصناديد؟ فالطيارون هم من علية القوم الصهيوني، و"ميرتس" من علية تلك العلية المنغلقة على استعلائها المنفّر. ومثل الطيّارين هناك مبعوثون من صفوف "ميرتس" في صفوف شتى أسلحة جيش الاحتلال الاسرائيليّ، البرية منها والبحرية والجويّة.
هذه الحقائق "فاتت" حزبنا الشيوعيّ وجبهتنا؛ هذان الجسمان المشتركان بشكل عضويّ، واللذان لا يمكن أن تقوم بدونهما قائمة لعمل سياسيّ صداميّ، جريء وحقيقيّ في هذه البلاد المنكوبة بالكولونيالية الصهيونية. فقد وجدا من الملائم، في ذكرى حرب واحتلال 1967 هذه السنة، التظاهر جنبًا الى جنب مع حزب النفاق السياسيّ "ميرتس". هذا مع العلم أننا نزيل القناع عن "ميرتس" في كل معركة انتخابات، قناعة منّا بوجوب كشف ازدواجيته السياسية والأخلاقية أمام جماهيرنا، ومنعًا لانطلاء زيفه على العقول.
لا أتوجّه بهذا النقد الى أي رفيق ورفيقة ممن شاركوا في المظاهرة، بل إنني أحترمهم واحترم التزامهم، مع أنني أطلب منهم مشاركتي في هذه الأفكار من أجل إعادة التقييم والتقويم. لكنني أتوجه عن سابق إصرار بالنقد الى جزء كبير من قيادتنا. لستُ من دعاة الانغلاق، لا القوميّ منه ولا السياسيّ ولا الايديولوجيّ. بالعكس، ففي عُرف البعض أنا "متّهم" بالفوضويّة.. لكنني في الوقت نفسه أرفض الانفتاح المبتذل. فجميعنا في هذا البيت السياسي التقدّميّ الثوريّ العريق نسعى لأوسع جبهة سياسية مناهضة لسياسة الاحتلال والاستعلاء والعنصرية الاسرائيلية. لكن هذا السعي سيصبح انكفاءً خطيرًا في العُمق، حين لا نطالب من يريد مشاركتنا الموقف بحسم موقفه هو: فإما أن ترفض الاحتلال بالقول كما بالفعل فتدعو مؤيديك وأنصارك الى رفض الخدمة في صفوفه، وإما أن تواصل نفاقك، ولكن ابقَ بعيدًا عنّا.. لأنه لا يمكنك الدخول الى خندقنا ببندقيتك، حتى لو كنت تركتها مؤقتًا في البيت، أو المعسكر أو المستودع الى حين يجرّونك ضمن القطيع المحارِب الى الحرب القادمة!
هناك حركات يهودية جريئة تقرن القول بالفعل، ولا تتردد في التصدي للإجماع الاسرائيلي البغيض، بل تواجهه بجرأة وضمير واستعداد لدفع الثمن. وهؤلاء هم شركائي وشريكاتي وإخواني وأخواتي. أما "ميرتس" و"شلوم عخشاف" ومن على شاكلتهما من صهاينة يرغبون بغسل ضميرهم موسميًا بينما تواصل إراداتهم وأيديهم الانغماس في عُمق الممارسة الاحتلالية الدمويّة، فإنهم ليسوا شركاء أبدًا.
من غير المعقول تفهّم الدعوات لتوسيع الصفوف أفقيّا، على حساب التراجع السياسي عموديًا. مَن تغريه اللحظة السياسية الراهنة بوهم "توسيع الصفوف" وبناء "يسار جديد" من خلال ضمّ كل "ما هبّ ودبّ"، إنما يرتكب خطأ سياسيًا جسيمًا. لأنه من السهل دائمًا السير بخفّة في شوارع تل أبيب بشعارات سياسية وردية. لكن الامتحان الحقيقي يحلّ "في وقت الشدّة". وقد عشنا الشدّة والمأساة وهول الجريمة في الأمس القريب جدًا مع شعبنا في لبنان 2006 ومع شعبنا في غزة 2009، ورأينا بالعين والقلب والعقل كيف أن من وافق حزبنا وجبهتنا على مشاركتهم الاحتجاج ضد الاحتلال من أولئك الصهاينة المتبرّجين بـ "اليسار"، قبل أيّام، كانوا قد أيدوا جريمتيّ الحرب المذكورتين منذ اللحظة الأولى؛ لم يتجرّأوا على اعلان الرفض ولا دعوة أنصارهم الى الرّفض بل عادوا مرة أخرى الى نفس المسلك السياسيّ المنافق الجبان الذي يثرثر طيلة السنة، لكنه يتلعثم بل يصمت، بل ينضم الى الجوقة حين يعلو فحيح الحرب الاسرائيليّ البغيض.
آن الأوان لحزب عريق كحزبنا الشيوعي وجبهة رائدة كجبهتنا أن يعودا الى ما خبراه وعلّما الكثيرين عليه؛ الى قياس الأمور بعمقها وأبعادها السياسية، وليس من خلال أفعال متسرّعة قد توهم البعض للحظة أننا "نتّسع ونزداد تأثيرًا"، بينما الحقيقة هي أنه تجري مراكمة كمّ منفّر من الغَثّ على السمين! وهذا سؤال يطال جوهر وجهتنا وبنيتنا: فإما أن نكون، كما تعوّدنا وعوّدنا، خطًا ثوريًا قادرًا على التغيير ومن ثمّ توسيع الصفوف بقوّة، وإما أن نتحوّل الى جسم يشوبه الترهّل السياسيّ ويرافق قوى لا تساهم في توسيع رقعة تأثيرنا السياسي فحسب، بل تضرب منّا النواة الصلبة! وهذا سؤال يتجاوز بكثير مسألة السير لساعتين ونصف الساعة في مظاهرة ضد الاحتلال الاسرائيلي الى جانب من يخدمون ويؤيّدون، بالممارسة والفعل، ذلك الاحتلال الإجراميّ نفسه! إنه سؤال سياسيّ استراتيجيّ من الدرجة الأولى، إن لم يكن أوّل الأسئلة على المحكّ في هذه المرحلة السياسيّة الحسّاسة.

 

الصورة (من الارشيف): عشرة آلاف متظاهر يرفعون صوتهم ضد الاحتلال في تل أبيب في الذكرى الاربعين لاحتلال الـ 67

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشعب يريد جلد النظام

featured

دور الجريدة بالمفهوم اللينيني

featured

المعارضة المسلحة تخدم اعداء سورية

featured

تحت غطاء الديموقراطية

featured

الاستعباد كإفراز قذر للتفتيت الاستعماري

featured

صوتٌ يزيد الإرداة إرادة