تعلّمتُ في درس من دروس الدّين عندما كنت صبياً صغيراً أنّ الله تعالى فرض صيام شهر رمضان على عباده المسلمين كي يشعروا بجوع الفقير وحزنه وعذابه وذلّه. ومرّت السنون عقداً اثر عقد والرمضانات تزورنا بأيامها الطويلة الحارّة، وبأيامها القصيرة القارّة، وأنا متمسك بما تعلمته فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر.
الاسم رمضان جاء من: رمض يرمِض يرمُض رمضاً وتعني اشتداد الحر ولا يعني كما يزعم أحد المشايخ أنّه سُميّ بهذا الاسم لأنه يرمض الصائم أي يذلّه ويحزنه ويزيد عطشه فرمضان معروف بهذا الاسم قبل ظهور الدين الاسلاميّ .
قبل أيام، وفي ضحى يومٍ من أيّام هذا الشهر الفضيل، اقترحتُ على شريكة حياتي أن نتناول طعام الافطار في أحد المطاعم فاللذة في التغيير فلم توافقني الرأي فهي " دقّة قديمة " تحب أن تأكل في بيتنا ومن مطبخها وشغل يديها ولا تثق بجودة طعام المطاعم وبخاصة اللحوم والأسماك ولا تقترب المعلّبات على أنواعها من فيها وتصرّ على أن تأكل خبز القمح الذي تخبزه في فرن الحطب . وبما أنني رجل عربي شرقي قّح شاورتها وخالفتها، واتصلت بعدة مطاعم معروفة في المنطقة تقدم الأكل السوريّ واللبنانيّ والايطاليّ كي أحجز مائدة للعائلة وكان الجواب موّحداً : متأسفين يا استاذ. المطعم اليوم مليان ورمضان كريم.
هذا كما تعرفون لا يدلّ على "بحبوحة" فمعظم الناس " على الحديدة " ويعيشون على السحب الزائد من البنوك وعلى الديون وعلى القروض ولكن معظم ربات البيوت، صبايا هذه الأيام يفضلن تناول الطعام في المطاعم ليحافظن على نعومة راحاتهن.
لم تغادر زوجتي، النحلة النشيطة، مطبخها من العاشرة صباحاً حتى السابعة وبضع دقائق مساءً، واقفة على قدميها أحياناً، جالسة على كرسيها أحيانا أخرى تغسل الخضار وتقطّعها وتنقّي العدس والفريك والأرز من الشوائب وتنظف الفراخ وتزيل زنختها وجلودها الدهنية وتفرم اللحمة والبصل والبقدونس و .. و .. والحقيقة لا يعلم أحد ما يدور في مطبخها الا هي والراسخون في فنون الطهي.
وبلا طول السيرة لم تتسع مائدة الافطار لألوان عدة من الطعام فالسلطات منها : حمص وسلطة بلدية وفتّوش وسلطة يونانية وملفوف وخس وجرير مع رمان. وفي وسط المائدة يجلس مثل العريس قدر الحساء، الذي قال الاعرابي أنهم يسمونه في قبيلتهم "السخين " فلما سأله الحضري: فاذا برد؟ أجاب : لا ندعه يبرد . وبجوار القدر دجاجة محمّرة ومحشوة بالفريك وأختها محشوة بالأرز والصنوبر واللوز ، وورق الدوالي والكوسا ، كوسا مثل أنامل الصبايا ، وشرائح لحم مطبوخة وكاسات لبن ومخللات وعصير رمان وعصير برتقال وكولا أمريكية ورمضان كريم.
التحلاية قطايف بالجوز وبالجبن وكنافة وبقلاوة ولقمة القاضي وبطيخ وتين وصبر وخوخ وعنب و... ورمضان كريم.
ولقمة من هذا الصنف ولقمة أخرى من ذاك اللون والصائم عينه فارغة " وعينك مش إلك بطنك مش إلك ؟!
آه يا بطني ، يا كرشي ، يا معدتي ، أنا متخم يا ناس يا عالم.
وهنا والحمد لله شعرت بجوع الفقراء في مخيمات اللاجئين في غزة وفي أحياء الفقر في يافا وعكا واللد وراهط وأم الفحم والناصرة ومع جياع الصومال وجياع القرن الإفريقي.
أوضاع جيبي وأحوال حسابي في البنك تذكرني بحكاية الثعلب الذي مرّ على ضبع عالقة في الفخ فلمّا شاهدته ضحكت كي لا يشمت بها فقال لها الثعلب: اضحكي الآن ما شئت فبعد قليل سوف يأتي صاحب الفخ !!
