أصاب العدوان الاسرائيلي – "الجرف الصامد" – على فلسطين ببعض شذراته الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها من أهل البلاد الاصليين بعد نكبة – هزيمة – عام 1948. فنحن جزء لا يتجزأ من شعبنا العربي الفلسطيني ومأساتنا التي نحيا نصيبنا من مآسيه.
نحن مواطنون منقوصو المواطنة الكاملة والمتساوية في وطننا. لم نختر هذه المواطنة ولم نهاجر الى اسرائيل. هي التي "هاجرت" الينا واغتصبت وطننا وهجّرت شعبنا واعتبرت مجرد بقائنا في بيوتنا وعلى ارضنا خطئًا تاريخيًا للصهيونية، وفشلًا وافشالًا لمشروعها ببناء وطن ودولة يهودية على ارض لم تكن خالية من اهلها العرب. واعادت تداعيات شذرات ذاك العدوان علينا من جديد تسعير النقاش السياسي فيما بيننا ايضًا، احزابًا ومجتمعًا مدنيًا، بخصوص دورنا في التصدي للعدوان، ومواجهة الانفلات العنصري لاسرائيل بحقنا، وبرنامج ونهج عملنا وسلوكنا في ظل هذا الوضع المركّب واللا طبيعي، كأقلية قومية في دولة يهودها وعنصرييها. وهي بقية – باقية من شعب فلسطيني جرى احتلال أرضه وتهجيره.
*مجاري العـنـصـريــة وأصـالــة الهـويــة*
في كل حملة عدوانية بحق فلسطين تفيض مجاري العنصرية الاسرائيلية الصهيونية بحق 20% من مواطني البلاد العرب الفلسطينيين. هذا ليس خروجًا وتحريرًا للمارد العنصري من حبسه في القمقم. اذ ان هذا المسخ لم يكن أصلًا محبوسًا في القمقم منذ جريمة الـ 48 بحق اهل البلاد الأصليين، وعلى مدى 66 عامًا هي اعوام دولة اسرائيل. كل ما هنالك ان المواجهة العسكرية العدوانية الخارجية تغذي "المواجهة" العنصرية الداخلية بحق المواطنين وتأخذها نحو ملامح ابرتهايد وفاشية مسعورة وواضحة.
بهذا تعترف اسرائيل التي حاولت اسرلتنا وصهينتنا وسلخنا عن شعبنا وتعاملت معنا وكأننا "أورطة" طوائف وقبائل وحمائل... بأننا جزء من شعب عربي فلسطيني. وانها فشلت عمليًا في سلخنا عن انتمائنا العروبي ووطنيتنا الفلسطينية. لذا تسعِّر من حربها ضدنا كمواطنين حين تسعّر من حربها ضد شعبنا.
للعنصرية ضدنا ابٌ وامٌ واجداد واحفاد. وهي مشرّعة اصلًا بسلسلة من القوانين وبالممارسة اليومية. لذلك مغثية هي المحاولة الاسرائيلية، بما فيها لبعض الليبراليين والديمقراطيين، بتصوير أن انفلات بعض الفاشيين بحقنا ما هو الا تطرف لقلة منبوذة في المجتمع الاسرائيلي. هؤلاء ليسوا قلة. هؤلاء حشرات تتكاثر على مزبلة السياسة الاسرائيلية الرسمية. هؤلاء الغالبية في المجتمع الصهيوني والدولة الكولونيالية، ومنهم وزراء في الحكومة وقادة مستوطنين. هؤلاء "البيبي" المولود من ايام بن غوريون الى ايام بيبي.
هؤلاء احفاد سياسة "الموت للعرب" و "العربي الجيد هو العربي الميت" و"العرب سرطان في جسم الدولة" و "الخطر الديمغرافي" و "الخطر الاستراتيجي الوجودي على يهودية الدولة" و "القنبلة الموقوتة" و "الحيّات السامة" و "الصراصير التي يجب حبسها في الزجاجة" و "نحن على استعداد لدفع اجرة الحافلات لنقلهم الى ما وراء الحدود"...
لذلك لم نعد نستغرب ذلك الانفلات البهيمي بحقنا في شبكات التواصل الاجتماعي، مثل: "دمهم مباح" و "الموت للعرب"، ولا الاعتداءات علينا في الأماكن العامة، ولا المقاطعة لزيارات بلداتنا والتسوُّق فيها، ولا التحريض الدموي على أحزابنا واعضاء الكنيست العرب. ولا حتى محاولة اقتحام قطعان المأفون كهانا للناصرة لتسليمنا أوامر طرد من بلادنا، وتصريح أحدهم أن مكاننا "إما خارج الحدود او تحت التراب، وان صواريخ اسرائيل يجب توجيهها ليس لغزة فقط وانما للناصرة ايضا لتنظيفها من المخربين"، ولا قول ليبرمان بأن عقابنا يجب أن يكون كعقاب "المخربين".
ولم يعد يستفزنا ولا يخيفنا هذا الانحطاط العنصري والمطالبة بتشديد "القبضة الحديدية" بحقنا. ولا أمراض المجتمع الاسرائيلي إزاء التعامل معنا من منطلق الولاية والوصاية والفوقية، والاستعلاء والتكبُّر، والنمطية، وشيطنتنا وتغويلنا، وتخويفنا وإرهابنا. "طول عمرك يا زبيبة ..."، من حكم عسكري مباشر من سنة 1948 الى سنة 1965 الى تحويله فيما بعد الى حكم عسكري خفيّ حاضر.
لكن يستفزنا ذلك التمنين علينا بأنهم يشغلوننا ويعلموننا، ويمنحوننا التأمينات الصحية والاجتماعية، ويعيّشوننا في نعيم ديقراطيتهم، بينما تهيمن الديكتاتورية في الدول العربية. ويستفزنا ايضًا اولئك "الليبراليون"، الذين يحنّون علينا وينصحون قادة اسرائيل بالشفقة علينا وباعطائنا فتاتا من موائدهم لكوننا رعايا في دولتهم اليهودية وبني آدميين. المجتمع الذي يتصرف هكذا هو مجتمع دولة تحتل مواطنيها.
لسنا رعايا ولا ضيوفًا على احد. لقد دخلنا هذه البلاد من اكثر الطرق شرعية – من ارحام امهاتنا. وما من مكسب قمنا باستلاله من بين انياب الدولة اليهودية الصهيونية الا نتيجة لكفاحنا، بما فيه الكفاح لمجرد حق البقاء على ما تبقى لنا من ارض صودرت غالبيتها الساحقة، ومن جغرافية وتاريخ جرى تهويدهما وترجمتهما للعبرية، ومن حقوق عمل وتعليم وخدمات ما زالت اصلًا منقوصة. اما تأميناتنا الصحية والاجتماعية فهي مدفوعة الثمن من جيوبنا من الضرائب على عملنا، كحطابين وسقاة ماء وعمل شاق ساهم في تعمير وتطوير البلاد.
تمننوننا بديمقراطيتكم؟ خذوا ديمقراطيتكم، الاضيق من خرم الابرة حين يتعلق الامر بالعرب، واعيدوا لنا فلسطيننا. ولا تذرفوا علينا دموع تماسيح الشفقة، كصياد تدمع عيناه وهو يذبح طيور صيده. قلناها وكررناها الف مرة: نحن المغتصَبْ لا الغاصب، نحن الضحية لا الجاني، ولم نهاجِر الى وطننا حتى نهجره و"اللي مش عاجبه فليشرب من مياه البحر الميت". او يعود الى موطن هاجر هو منه.
"ارض العروبة للعرب صهيوني شيّل وارحلي، وما بنرضى بالعيش الذليل لَوْ صرنا لجهنم حطب" – هكذا هتفنا منذ الستينات. ولَوْ خُيِّر لنا ان نولد من جديد لما اخترنا الا ان نولد عربًا فلسطينيين في وطننا، و "يا بيغن ويا شارون هذا وطنا وإحنا هون". لذلك الاجدى بكم ان تضبوا اوهامكم بتغيير ماضينا لقلع حاضرنا، ومعها "شفقتكم". لم نقبل ولن نقبل التعامل معنا لا بالعنف ولا بالشفقة وانما فقط على اساس الندية وباحترام وبقامات منتصبة. العين مقابل العين، على اساس المساواة ولا اقل منها، والحفاظ على اصالة هويتنا القومية العربية وانتمائنا الوطني الفلسطيني ولا اقل منهما.
*وعــي التـجـربــة...*
بقينا في وطننا وحافظنا على هويتنا القومية والوطينة وحققنا العديد من المكاسب، وجمعنا جدليًا وبإبداع بين معركة البقاء والمساواة القومية والمعركة من أجل السلام العادل على اساس ازالة الاحتلال وضمان حق تقرير المصير والاستقلال لشعبنا، بفضل صمودنا طبعًا وبفضل قيادة تأتت لشعبنا هي قيادة الحزب الشيوعي. قيادة حكيمة وبعيدة الرؤية والرؤيا وواعية لظروف الزمان والمكان ومتطلباتهما. قيادة قادت في اصعب الظروف بقية باقية مرعوبة ومهزومة متشرذمة من شعب تشرد، وأحالتها الى شعب كفاحي، وحققت له العديد من الانجازات بأقل ما يمكن من الخسائر.
قيادة كانت بصحفها ومجلاتها وأدبائها وشعرائها وصحفييها، وبنضالاتها وثقافتها، وبعقلانيتها وعدم مغامراتها ومقامراتها، وبعمل النملة لرفع سقف تطلعات شعبها عقدًا وراء عقد... بوصلة ومرساة ومدرسة، بل "اكاديميّة" تخرّج منها الاف الوطنيين والمناضلين والمثقفين، بمن فيهم اولئك الذين انضموا او أسسوا أحزابًا وحركات سياسية أخرى وأطرًا وجمعيات مدنية. ولا نقول بهذا انه لم تحدث نواقص وحتى بعض الاخطاء في تاريخ تجربة المسيرة الكفاحية للجماهير الفلسطينية في اسرائيل. ولا نقصد ابدًا المس بتعددية احزابنا واطرنا السياسية اليوم، فهي نتاج طبيعي لاقلية تبلورت ونضجت وهدمت حاجز الخوف وتغيرت وتطورت ليس كمًّا تعداديًا فقط وانما كيْفًا وجوهريًا. وفي الوقت نفسه نتاج لتلك القيادة الأصلية والأصيلة التي شقت الطريق ومهّدته وعبّدته.
لقد اختارت الاقلية الباقية من شعبنا في وطنها، بشتى اطيافها السياسية، وبسبب ظروفها الزمكانية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، طريق الكفاح السلمي المدني الجماهيري والبرلماني، وبناء اطرها ومؤسساتها الجماعية كوسيلة أنجع لضمان البقاء والتصدي للعنصرية ومن أجل المساواة والسلام العادل. وأثبت هذا الخيار نجاعته وحقق لشعبنا المكاسب.
واجب شعبنا أن يعي تجربة الماضي لمواجهة اسئلة وتحديات الحاضر والمستقبل. ومَنْ يحمل مِنْ بيننا أجندة اسلاموية للحل ... (اسلاموية السلام والمساواة؟!)... فليحملها. لكن فليلتزم بمقررات وبرنامج لجنة المتابعة ولقاءات التنسيق بين الاحزاب بكل ما يخص النضالات الجامعة الوحدوية. ومَنْ يدّعي بأنه رفع سقف كفاحنا وأعاد بناء وتوحيد الحركة الوطنية القومية وتنظيم الاقلية القومية وبناء مؤسساتها في مواجهة الاسرلة والصهينة... فليتشرف وليقدم لنا مثلًا عمليًا واحدًا على هذا، لا فيضًا من الانشاء الكلامي المنمّق.
قبر شعبنا الاسرلة والصهينة منذ الستينات. وما من اطار تنظيمي تمثيلي ومؤسساتي للجماهير العربية الا وتأسس قبل ان يحبو البعض سياسيًا. مثلًا لا حصرًا، لجنة الدفاع عن الاراضي، ولجنة المتابعة، ولجنة الرؤساء، ولجان الطلاب الثانويين والجامعيين واتحاداتهم القطرية، ومؤتمرات الجماهير العربية العامة والعينية، ولجنة الدفاع عن الأوقاف، ولجنة المبادرة العربية الدرزية ضد التجنيد، ولجان الاضرابات بما فيها الاضراب – الانتفاضة – في يوم الارض وما جرّه من كنس لأعوان السلطة من سلطاتنا المحلية ومن رفع كل مستوى كفاحنا وتطلعاتنا، ومن الخ...الخ. ولا نقصد بها اننا استكملنا مشروع البناء المجتمعي ولا عدم ضرورة تفعيل وتطوير الموجود.
مباركة لنا تعدديتنا الحزبية، لكن أعتقد ان جهوزيتنا الكفاحية وتنظيم ذواتنا قوميًا – (لا الجمعيات، مع الاحترام لها) – هي في تراجع عمّا كانت عليه في السبعينات والثمانينات. وذلك لعدة اسباب ليس هذا المقال مجالًا لتعدادها. واكتفي بالاشارة الى "أمراض" اصابتنا، مثلًا قبلية أحزاب وحزبية قبائل، وأسلمة سياسية، والتحاق لتيار "قومي ونهضوي وحضاري واخلاقي وديمقراطي... الخ" بتلك الاسلمة. وذلك من باب عدائه الدفين والمتراكم للتيار اليساري الاقرب اليه فكريًا وسياسيًا، وبرغبة الحلول مكانه. استمرار بعضنا بهذا النهج المدمر يمنع شعبنا من استخلاص دروس وعي تجربته على مدى 66 عامًا مضت وتطويرها نحو اسقاف وآفاق جديدة اعلى وانجع.
*لنتـصــرف كشـعــب...*
لم يحدث لا تمرد ولا عصيان ولا حتى نضال كفاحي ومتواصل واسع بين جماهيرنا العربية، احتجاجًا على عدوان "الجرف الصامد". واعتقد ان حراكاتنا السابقة ضد التعديات الاجرامية على فلسطين كانت اقوى وارقى كفاحيًا ومشاركة جماهيرية. وما كتابة بعض الكتاب في فلسطين والعالم العربي عن "هبة عرب اراضي الـ 48 التي تنذر بفقدان السيطرة الاسرائيلية عليها"(؟!) الا أضغات أوهام أصابهم بها صنّاع الاوهام بيننا.
نقاشنا مع هؤلاء من ناشري الاوهام وكفاح الكلام ليس عن حق المقاومة ولا على رفض اعتبارها ارهابًا، وانما على وجوب انتهاج نهج مقاومة يفشل ارهاب المحتل. وليس عن ان المقموع يجب الا ينتظر رضى القامع على خطابه، والا يناضل ضمن اطار كسب رضى السلطة وتحديدها لسقف نضاله... وانما عن انتهاج ممارسة نضالية سليمة وفعالة تقمع القامع وتحد من انفلات قمعه. والقضية ليست استفزاز السلطة الاسرائيلية وهزها – (بحِدة طول اللسان؟) – حتى تستيقظ وتستجيب، وانما مواجهتها بتصعيد الكفاح الجماهيري الحكيم وبيقظته الثورية لردع ومحاصرة استفزازها وشل ايادي والسنة قمعها العسكري وانفلاتها العنصري بدلًا من اعطائها الذريعة لتشويه نضالنا.
والقضية ليس وجوب تفجير انتفاضة ثالثة، اقرأوا معي: "لا ضد الاحتلال فقط وانما ضد السلطة الفلسطينية اولًا، ولن تكون الانتفاضة انتفاضة الا اذا كانت كذلك"(؟!)، وليس الدفاع عن هتاف شباب متحمس وعاطفي في مظاهراتنا: "يا مقاوم على الحدود اخطف اخطف اليهود"، ولا العودة للهتاف القديم "بطل ينفع الا المدفع" (والمدفع بيد اسرائيل طبعا).. وانما قناعتنا بانه "حتى المدفع بطل ينفع" لقمعنا، واننا نحن المخطوفون وطنًا وعنصرية وتمييزًا، ما من طريق يحقق مطالبنا الا الكفاح المدني السلمي والجماهيري المقاوم، وبوحدة وطنية وطيدة بين شتى احزابنا واطرنا السياسية والمدنية وتغليب قواسمنا المشتركة الجامعة لنا كشعب رغم اختلافتنا الثانوية.
لنتصرف كشعب حتى نحقق حقوقنا كشعب.
