"أنا الموقع أدناه" عنوان كتاب صدر مؤخرًا عن دار "الساقي"، عبارة عن حوار مع الشاعر محمود درويش، كانت أجرته معه الصحافية اللبنانية "إيفانا مرشليان" قبل ربع قرن من الزمن، عام 1991 تحديدًا، في عاصمة الأضواء باريس.
وبقيت الأسئلة والأجوبة حبيسة أدراج "إيفانا الرهيبة"، كما أسماها. وطلب شاعرنا إليها، في ربيع العام 2008، أي قبيْل رحيله بشهور، أن تحتفظ بهذا الحوار، الذي دوّن أجوبته بخط يده، وأن تنشره "بعد خمس سنين على الأقل". وهذا ما كان.. فصدر مع المخطوطة اليدوية ومجموعة من الصور الباريسية، تُنشر لأول مرة.
تناول الحوار موضوعات ومحطات عدة؛ الطفولة والأم، الوطن والمنفى، بيروت وباريس، الحب والقهوة، والتاريخ والشعر والقضية، وشعر القضية، وقضية الشعر. وجرت مياه كثيرة في نهر الشعر، ونضبت أخرى في نهر القضية، ورمى شاعرنا فيهما ورودًا كثيرة، قبل أن يكتب، بعدها بعقدٍ ونيّف، في "لا تعتذر عمّا فعلت"، أننا "نزداد اختناقًا" في بلادنا.
تسأله مرشليان "فوق أي أرض اخترتَ أن تعيش؟"، فيُجيب، من شقته المطلّة على برج إيفل: "...الأرض التي اخترتُ أن أعيش فوقها، هي الأرض التي أورثها إيّاي أجدادي، كما أورثوني لغتي، وهي الأرض التي يكرّس أبناؤهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم حياتهم من أجل استردادها، هي أرض فلسطين.. أرض أبي وأمي، وأرض قصائدي...".
ولكن المفاجأة الكبرى جاءت في استطراده: "أما إذا كان سؤالك يطالبني بالجلوس على كرسي الاعتراف، فإنني أعترف بأنني نادم على الخروج من حيفا، على الرغم من أنّ قرار خروجي لم يكن حرًا. نعم، كان ينبغي عليَّ أن أبقى في السجن هناك حتى لو كتبت شعرًا ذا قيمة أقل!".
يقال إنّ الندم "من صفات الشَّعر الأبيض"، وقد جرى هذا الحوار وشاعرنا على أعتاب الخمسين، وفي زمن الانهيارات والانكسارات. فهل أثّر هذا فيه وحمله، وقتئذٍ، على الندم على خروجه من حيفا قبلها بعشرين عامًا؟ ربما! فحين سُئل، في إحدى زياراته الأخيرة إلى حيفا، عمّا إذا كان نادمًا، نفى هذا. فهل خفّت وطأة الندم بعض الشيء بعد عودته إلى أرض الوطن؟ إلى رام الله ثم حيفا والجليل؟
كيف لنا أن نعرف؟ فقد كتب في "أثر الفراشة"، بُعيد "عودته" إلى حيفا: "لا أحنُّ إلى أيِّ شيءٍ/ فلا أمسِ يمضي، ولا الغدُ يأتي". ليس لنا أن نعرف.. ليس لنا إلا أن نقرأ: "أحبّ البحار التي سأحبّ/ أحبّ الحقول التي سأحبّ/ ولكنّ قطرة ماء على ريش قبرّة في حجارة حيفا/ تعادل كل البحار/ وتغسلني من ذنوبي التي سوف أرتكب". ليس لنا سوى أن نستقرئ: "لا تعتذر إلا لأمك"!
