ألعصر او قبيل المساء بقليل، كانت محطة القطار في عكا مقفرة، الا من بضعة مسافرين. وكان موعد القطار ما يزال بعيدا نوعا ما. وهو قد لا يخلفه هذه المرة، كما يخلفه في بعض الاحيان.
- لماذا بكّرنا؟ قالت الزوجة
- لانني احسب لكل الاحتمالات، وعلى رأسها خلل يصيب السيارة التي أصرّ على انني "قبعتُ" النايلون عن مقاعدها. النايلون الذي كان الصغير قد غطى المقاعد به، لكي يصبح بإمكاني ان اقسم انني اشتريت سيارة جديدة!
قلت في نفسي. ما دام ثمة متسع من الوقت حتى وصول القطار من نهاريا، فلماذا لا أزجيه في ممارسة رياضة المشي التي بدأتها مؤخرا؟ فهي – بحسب "تخرصات" الاطباء والراسخين في العلم، تنشط الدورة الدموية، وتقوي العضلات وتشد العظام، وتساعد في اذابة الكولسترول.
رحت امشي جيئة وذهابا، اوسع بين الخطى واعدها كيما اعرف طول المحطة، فمن يدري؟ لعلي اشتري او اقيم محطة مماثلة ضمن سياسة الحكومة التي باعت كل ممتلكاتها في سوق الخصخصة.
شمّلتُ، ثم جنّبت (شمالا وجنوبا) لم يبق بعد شرق. راح هذا الشرق ففرحنا. نهشنا الغرب بأنيابه الفولاذية، فأثار حنيننا، فترحمنا على الماضي، حيث لم يعد البكاء بنافع على الحليب المسكوب، وعلى الروس المسكوب! ياه.... كم من شعوب الارض وأممها الفقيرة المقموعة المهددةـ بأمسّ الحاجة الى نصير!
عدت على اعقابي. كان الحارس يتابع رياضتي بعيون حذرة. المسدس في يده. وسبابته على زناده. والرصاص لا ينتظر سوى اشارة خفيفة من اصبعه كي ينطلق. انهيت مسار المشي واستدرت. لم يعد الحارس ذو المسدس الجاهز للاطلاق، والقبعة الدينية المنسوجة وحده بعد. يبدو انه "غافلني" دخل المحطة ثم عاد بأحد الموظفين.
- "شكّوا فيك"، قالت الزوجة. "قفروك. غير يهودي. تعال اقعد".
- ليشكوا كما يحلو لهم فهل اغير لوني حتى لا يشكوا؟ مع ان بشرتي أميل الى البياض منها الى السمرة!
تداعت الافكار هل يفعلها هذا الحارس؟ واذا فعلها، فماذا يمكن ان يفعلوا به؟ لا اعتقد ان حبل المشنقة سيلتف حول عنقه فلا إعدام في اسرائيل! بل سأكون انا قد اقتربت من الخط الاصفر. خاف علي الحارس ان اموت دهسا تحت عجلات القطار، فأطلق رصاصة تحذيرية أصابتني بالخطأ! او اكون قد قفزت نحوه على حين غرّة. أمرني بالتوقف فلم أنْصَع. ودفاعا عن النفس ضغط على الزناد! ومن بعد، قد يحكم عليه بالسجن ثلاثة اشهر مع وقف التنفيذ. ثم يُخصم له ثلث المدة، او يتدخل رئيس الدولة فيغمره بعفوه. وفيما بعد قد يزينون صدره بوسام بطولة، لانه قتل مخربا! ألم يكن الثلاثة عشر شابا عربيا، ضحية هذا النهج قبل تسعة اعوام وتسعة ايام بالضبط؟!!
ومع ذلك لم امتثل لنصيحة الزوجة. بل رحت أتعمد اثارة شكوك الحارس بحركات "مريبة". تذكرت مظفر النواب الذي شملته وصاحبته، " عناية" عيون جاسوس السلطة. فلم يسعَ الى تبديد شكوكه. بل طلب من صاحبته: "دسي في جيبي شيئا" نربكه ونثير شهيتنا. ابن الـ... اليوم سأكتّبه دفتر".
وبدوري فعلت ذلك. صرت اتوقف كل بضع خطوات. أتلفت في كل اتجاه، كما لو كنت اريد ان امسح المنطقة مسحا بصريا. يحضر الموظف مرة اخرى. يهمس في اذن الحارس شيئا. يقرر الحارس اخذ زمام المبادرة للتأكد من انني لست محزما بحزام ناسف. عرفت ماذا قرر. اقترب مني.. يده على الزناد.
- "أما تعبت"؟
وبلغة عبرية سليمة، تعمدت ان تكون بلهجة اشكنازية، تتحول فيها الراء غينا، قلت: الرياضة هي الشيء الافضل الذي يمكن للمرء ان يفعله! أطلت ثرثرتي، اليس كذلك؟
لكن المشوار الى بئر السبع يستحق الاطالة.
في القطار سنحت لي فرصة رائعة، كبنات جت، للمقارنة بين مرض الهوس في محطة القطار وفي كل مؤسسة ومرفق لدى الاكثرية من ابناء عمنا، وبين الطيبة الطبيعية والبراءة العفوية عند الاكثرية ايضا من ابناء شعبنا.
احد الركاب يهودي تخطى عتبة الثمانين من العمر. تساعده النظارات على الرؤية الضئيلة، والعكاز على نقل قدميه، محطة هدفه. اراد البهوط. راح يدفع حقيبة بقدمه. احد الركاب، يهودي هو الآخر، عرض عليه حمل الحقيبة عنه. رفض بعزة نفس، قد يكون عهد الشباب اثارها فيه. واصل دفع الحقيبة. "فزّت" فتاة واضحة العروبة من مقعدها. و "بلا شور ولا دستور" حملت الحقيبة عنه واوصلتها الى باب القطار، وعادت تجلس الى جانب رفيقتها. لم استطع الا ان احيّيها. وان اتعرف على هاتين الفتاتين الرائعتين: "منين الصبايا بلا زغرة"؟
- من جت
كم الفرق شاسع بين العرض وبين الفعل التلقائي!
وهكذا فعل سائق قطار القضية الفلسطينية ولكن على مستوى مختلف تماما. قدم "الفعل" مختارا، ودونما طلب من احد، ولا حتى ممّن أخذت الحلقة تضيق حول عنقه. اذ وجد نفسه يواجه مقاطعة اكاديمية متزايدة، وعزلة لا يخفف من وطأتها سوى انظمة عربية تتلهف على الهبوط والركوع. (مؤخرا اقامت "دولة" الملديف، علاقات دبلوماسية مع اسرائيل!! إبحثوا عن نقطة في المحيط، لعلكم تجدون هذه "الجمهورية العظمى"!) وشاهد أروقة المحاكم الغربية (لا العربية والاسلامية!) تعمل ساعات اضافية لاصدار ما يكفي من اوامر التوقيف بحق القادة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين. فمنهم من هرول لائذا بالفرار، فلا يهتدي الى باب الطائرة، وقد "انعمت اقماره" ومنهم من الغى زيارته الى البلدان الغربية لان الاصفاد في انتظاره هناك. فما حدث في غزة لم يكن مجرد رصاص مسكوب لصنع تماثيل فنية، بل دماء بشرية بريئة مسكوبة، واوصال اطفال ونساء وشيوخ مقطعة، ولم يستطع الضمير العالمي هذه المرة ان يسكت. فأصدر تقريره الشهير، موصيا بمحاكمة المجرمين والقتلة.
سائق قطار القضية شاهد بأم عينه الاحدى وعشرين حورية يخرجن من بين فكّي وحش البحر، مقابل دقيقة طمأنة مسجلة في شريط للأسير جلعاد شليط. لكنه – السائق – يريد كما يبدو، تسجيل انجاز اكبر يليق بشيء اسمه سلطة.
قرر ان يقدم المساعدة هكذا لوجه نتنياهو واوباما وبراك وليبرمان.
قرر سحب تقرير ريتشارد غولدستون من التداول في الحلبة الدولية!
لماذا؟ هل ضبطوه في موقف متلبس تجاه غزة ابان العدوان عليها كما ذكرت "معريف"؟ ام حرصا على استمرار التقاط الصور التذكارية؟ ام تسهيلا لمشروع الهواتف الخلوية للمحروس نجله؟ لا احد يعرف. من ناحيته امر ايهود براك بتشكيل لجنة تحقيق في الجرائم التي ارتكبها القادة العسكريون، وهو اكبرهم، تجنبا لقرار دولي بمحاكمتهم.
ومن ناحيته ايضا، امر سائق قطار القضية بتشكيل لجنة تحقق في من اتخذ قرار سحب تقرير غولدستون، أي معه هو نفسه، تجنبا، كما يبدو، لاتخاذ قرار شعبي بشأنه!
وهكذا مدّ سائق قطار القضية يده لانتزاع الحبل من حول العنق الاسرائيلي. مساعدة تلقائية مجانية!
مثلما فعلت الفتاة من جت!
مع الاعتذار لكُنّ يا بنات جت....
