نباتات وحكايات فوزي

single

  من هنا نبدأ ، لكي لا تحرثوا في البحر! هكذا كتب المفكّر المصري :خالد محمد خالد،1920 -1996 ، قبل عقود خَلَتْ! واستميحكم العذر جميعًا ، إذا قلت : دعوني أبدأ من إقرث  وكفر برعم الشّقيقتين في الهّمّ ، الغَمّ، ولا غِنى عن حقّ العودة ،مهما مَطّوا الزّمن الغدّار،البلدتان شقيقتان كما نباتات وحكايات فوزي ناصر، وإذا كان طائر الفينيق ينتفض من بين الرّماد، فالأقارثة والبراعمة ليسوا رمادًا، معاذ الله، بل هم أحياء عند ربّهم يُرزقون: الأجداد،الأبناء، الأحفاد، الجيل الرّابع والخامس: يا جدّي كلّم جدّك! ولا عودة عن حقّ العودة. نباتات وحكايات فوزي ناصر،هي تتمّة لما أصدره من قبل: قاموس الوطن، دروس في الجغرافية، ما وراء الأسماء،على دروب الجليل و... العروس تُزَفّ إلى عريسها في أبهى ثيابها ، أزهارها المتجدّدة ،33 زهرة/نبتة، 33 حكاية، تمامًا كسنوات السّيّد المسيح والإسكندر المقدوني، وسبحة اسماء الله الحسنى 99 مقسومة على ثلاثة، الحكايات من أبولو إله النّور والحكمة إلى هيليوس/الشّيخ هليس في بلدة قَدّس المنكوبة.
جديد فوزي صدر عن مكتبة: كلّ شيء-حيفا، لصاحبها :صالح عبّاسي 2016 ،الصفحات 144 ،ورق مصقول،صُور ملوّنة بألوان الطّيف الشّمسي، لعلّ نحلة سليمان تُميّزها عن الأزهار الحقيقيّة، تتجلّى مواهب فوزي الإقرثاوي/النّصراوي في الأدب الفنّ، الخطوط، التّصميم ، الإبداع والأمميّة ، حيث يقتبس النّصوص الدّينيّة من الرّسالات السماويّة الثلاث:32 نَصًّا من العهد القديم، 11 نَصًّا من العهد الجديد، 12 نَصًّا من القرآن الكريم ، معًا 65 .ثقافة فوزي رحبة، متعدّدة الرّوافد، المناهل والمشارب ،حين يحدّثنا عن : عصا الرّاعي/الزّقوقيا/الزهرة الخجولة/تاج الملك سليمان،نقول لفوزي :لماذا تعود بنا القهقرى إلى ثلاثة آلاف عام خلتْ لتواضع سليمان الحكيم؟ هاكَ ملك اسرائيل الحالي  البيبياهو وملكته المصون ساراياهو، هما مثال حيّ  للتواضع والخجل، اللهم عدا  السيجارات والشّمبانيا الورديّة من الملياردير ميلشين! حكايات فوزي كَجِراب الكردي ،تعيدنا الى المتنبّي:

 أنامُ مِلْءَ جفوني عن شواردها        ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
والعبرة من كوز الرّمّان الذي يملأ القلب بالإيمان:حبات فرداويّة،جماعات،حجاب حاجز، حجرات، قارّات وكرة أرضيّة وشجرة نفْضِيّة، مش رمّانة قلوب مليانة! رغم اكفهرار الغيوم، تلبّد الضّباب، عدم وضوح الرّؤية والرّؤيا،العواصف والأعاصير الجوّيّة والبشريّة،الاعتداءات والاقتلاعات، إلاّ أنّ فوزي يبقى متفائلًا،يُزيّن عالمنا بعطر وأريج وعبق أشجارنا، ليقول:

 كلّ الثّياب يحول لون صباغها     وصباغ هذي حين طال تجدّدا

 لعلّه توقّف عند إيليّا أبو ماضي،ليأخذَ نفسًا ، ع َ الهدى:

 كُن بلسمًا إن صار دهرك أرقما   وحلاوة ان صار غيرك علقما
 والْهُ بورد الرّوض عن أشواكه   وانْسَ العقارب إن رأيت الأنجما
 وما دمنا مع البلسم/البيلسان ،قد يكون ليس البلسم المألوف اليوم، فكما أنّ
سلالات بشريّة وحيوانيّة انقرضَتْ، كذلك الحال بالنّسبة لبعض العائلات النّباتيّة، فالبلسم (صوري) بالعبريّة،السّرو ( تدهار)،العوسج (هَسْنيه)، الأفرسمون... كما وردت في الكتاب المقدّس، ليس بالضّرورة أن تكون هي نفس مُسَمّياتنا اليوم، وإن كانت تُشبهها! تسامح فوزي الدّيني يعيدنا الى الصّوفي محيي الدّين بن عربي1164 -1240 م

 قد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبي    إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
 لقد صار فلبي قابلًا كلّ صورة    فمرعى لغزلان ودير لرهبان
 وبيت لأوثان وكعبة طائف       وألواحُ توراة  ومُصحفُ قرآن
 أدينُ بشرع الحُبّ أنّى توجّهتْ   ركائبه، فالحُبّ ديني وإيماني

الأرض بْتِتْكَلّم عربي وتقول آه....
هذا المشهد الحضاري الثّقافي في قاعة يوحنّا المعمدان، سابق السّيّد المسيح، يُقرّبنا الى الصّوفي: أبي مُغيث، الحسين بن منصور (الحلاّج) 858 .م-922 ، حيث اتُّهم بالكفر الزّندقة والإلحاد في بغداد آنذاك وبغداد اليوم، ولا جديد تحت الشّمس،فَحُكِم عليه بالإعدام ،بُتِرَتْ يده، ثمّ الرّجل ، فاليد الأخرى فالرِّجل، داعش اليوم وداعش آنذاك!، مسح الحلاّج وجهه بيديه المبتورتَين النّازفَتَين دمًا، حتى تلطّخ وجهه بالدّم! سألوه: لِما فعلتَ ذلك؟ قال: لقد ذهب من جسمي دم كثير، وأعْلَمُ أنّ وجهي قد اصفرّ، وقد تظنّون أن اصفراري نتيجة للخوف، فمسحتُ وجهي بالدّم، حتى يكون في نظركم مُحْمَرًّا، فَحُمْرة خدّ الرّجال لا تكون إلاّ بدمائهم، فقالوا له: لِمَ لَطَّخْتَ به ساعدَيْكَ أيضًا؟ فأجاب:إنّي أتَوَضّأ! فقالوا: أيّ وضوء هذا! أجاب: هما ركعتان في العِشْق الإلَهي، لا يصِحُ وضوؤهما إلاّ بالدّم! ثمّ صُلِبَ، واللبيب من الإشارة يفهم. أستاذنا فتحي فوراني،الصّفدي، النّصراوي والحيفاوي ،على التّوالي، كتب في حكاية عشقه، مقتبسًا أحد شعرائنا الرّاحلين، في مقال: من الغلاف الى الغلاف، وأنا أحذو حذوه، جاء في إهداء فوزي: إلى زوجتي وأولادي وأحفادي، إلى كل أبناء شعبي، إلى كلّ عاشق للوطن...وعلى الغلاف الأخير كتب: فوزي مرشد سياحي...وهذا ما يعيدني الى العندليب الأسمر، أيّام زمان، عبد الحليم حافظ،في أغنيته (سوّاح)، كلمات محمد حمزة، ألحان بليغ حمدي:
سوّاح وماشي في البلاد سوّاح/ والخطوة بيني وبين حبيبي براح/ مشوار بعيد وانا فيه غريب/ والليل يِقَرّب والنّهار روّاح/ وان لاقاكم حبيبي سلّمولي عليه/طمّنوني الأسمراني عاملة إيْه الغُربة فيه/ وصّيْتَكْ وصيّة يا شاهد عليّ/تحكيلو ع َ اللي بِيَّ واللي قاسيتو في لياليّ/وسنين وانا دايب شوق وحنين/عايز أعرف بس طريقو مْنين/ لا انا عايزأرتاح وانا تايه سوّاح...
 لن أنهي مداخلتي هذه  قبل شكري وتقديري للمربّية الفاضلة القرينة أمّ طارق رفيقة درب فوزي، السّاهرة النّاطرة، ربّة الأسرة الكريمة، لعلّ هذا يعيدنا إلى اللبناني الفذّ: رشيد معلوف: ربّي سألتك باسمهنّ  أن تفرش الدّنيا لهنّ/بالورد ان سمحتْ يداكَ / وبالبنفسج بعدهنّ/ حُبُّ الحياة بِمِنَّتَيْنِ/وَحُبّهنّ بغير مِنّة.
طالما نحن في جلسة عِلم وعمل  مع أهل الكتاب وأمّة إقْرأ، اسمحوا لي أن أعرّج على انجيل لوقا: (لِأنّ كلّ مَن يرفع نفسه يَتَّضِع، ومن يضع نفسه يرتفع)، وجاء في القرآن الكريم: (فأمّا الزّبد فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض) صدق الله العظيم/الأعراف. هذا تواضع فوزي ناصر، وهذا ما ينفع ناسنا .دُمْتم ودام الوطن لأهله وذويه الحقيقيّين، والحجر مطرحو قنطار.
(ألقِيَتْ هذه الكلمة في أمسية تكريم الكاتب فوزي ناصر، واشهار كتابه: نباتات وحكايات، قاعة كنيسة يوحنّا المعمدان/ حيفا، 2/2/2017 ، بمبادرة المجلس الملّي الأرثوذكسي الوطني).

قد يهمّكم أيضا..
featured

وقاحة المعتدي، وواجب المعتدى عليه

featured

النيزك الامريكي

featured

العدوان على غزة وانعكاساته على الجماهير العربية

featured

"إلى حيث القت رحلها"...

featured

ما بين المجتمع المدني والمجتمع المدني الافتراضي

featured

التدخين للرجال فقط

featured

أوبرا صابونية مُعلنة

featured

طروحات الجبهة وعمودها الحزب الشيوعي: برنامج الواقعية والموضوعية