قبل "الاعتراف" والوعد الانتخابي، تعهد ترامب ما تعهده لحكومة نتنياهو، وبعد كل المعارك والحروب والهزات خلال قرن كامل واكثر وجريان انهر من الدم والدموع والآن مؤلفة من الشهداء دفاعا واكراما لنيل الحرية والاستقلال، وصناعة داعش ومراحل انهياراتها الاخيرة يأتي الوعد الثاني، الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال بفارق قرن كامل عن بلفور الاول، وها هو بلفور ترامب الثانية انها بلطجية استعمارية نُفذت وتنفذ الآن على حساب الحقوق العربية والفلسطينية.
كنا شبانا يافعين في عمر الورد والنضال، لا نعي معنى السياسة وفنونها لكن نتبع اثر حزبنا وسياسيينا الخالدين في فهم ما لم يفهمه الاكثرية الساحقة من شعبنا وقادته من ان قوى الاستعمار عامة والسياسة الامريكية خاصة، لا يمكن ان تكون سندا للشعوب ولا يمكن ان تكون حيث تكون اماني وتطلعات وطموحات البشر والشعوب التواقة للحرية والاستقلال تبقى قوى الاستعمار الامبريالية الصهيونية والرجعية نقيض كل مبادئ حق تقرير المصير ولكل معاني الحرية والعدالة الاجتماعية والسلام والدمقراطية.
لقد ارسى الانتداب البريطاني لفلسطين اسس الخلاف والنزاع وزرع بذور الشر في وعده المشؤوم قبل مائة عام وترجمة قبل 70 عاما الى دولة وكيان بعد ان بذر بذور الصراع الذي لم ينطفئ في المنطقة بعد، واشعل لهب الحروب وعمل على تقويض الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني ومنعه من تحقيق احلامه بعد ان سرق وطنه وارضه وشرد ابناءه إلى اقسام الارض قاطبة.
اما الامبريالية الامريكية فقد ورثت المشروع من الاستعمار البريطاني وثبتته بالكامل وطورته بما يلائم مصالحها واهدافها الاستراتيجية، فمنذ نشوء دولة الصهيونية قبل 70 عاما والولايات المتحدة تمارس سياسة الانحياز الكامل والمباشر والداعم والمساند لهذه الدولة الخارجة عن القانون الدولي، والتي اصبحت حليفة الاستعمار وارتبط امنها مع امن الولايات المتحدة، وهذا كله على حساب مصالح الشعب الفلسطيني. وقفت وتقف الآن الادارات الامريكية وفي عهد ترامب بقوة وتحد كبيرين إلى جانب دولة الاحتلال واصبح ترامب يكمل نتنياهو والعكس في كل حروب اسرائيل العدوانية على الشعب الفلسطيني والشعوب المجاورة، كان الدعم الامريكي ينهال والضوء الاخضر من قوى الاستعمار ينيران من ويبررات العدوان واهدافه. وقد جعلت الامبريالية الامريكية في دولة الاحتلال ترسانة عسكرية لكل معدات الحرب والقتل والدمار، مما جعلها متفوقة على مجموع الجيوش العربية مجتمعة. بعد ان سلحها بقية المستعمرين من فرنسيين وغيرهم بالسلاح النووي والتكنولوجيا المتطورة جدا لدرجة ان اصبحت من الدول المصدرة للسلاح، والحقيقة ان حكام اسرائيل لديهم الامكانية والاعتراض وافشال وفرض شروطهم على الطرف الامريكي عندما تعقد صفقة سلاح امريكي بالمليارات إلى اية جهة عربية حتى لو كانت حليفة للامريكيين. الاسرائيليون وحلفاؤهم الامريكيين بالاصل حريصون على نظرية عدم الاخلال بالتوازن والتفوق العسكري في المنطقة والذي يميل بصورة كبيرة ومدهشة لصالح المعتدي الاسرائيلي الذي لا يتورع عن ارتكاب وشن انواع الحروب والمجازر وبناء المستوطنات وينسف أي مشروع يهدد بقاءه وسيطرته على الارض العربية الفلسطينية، ويمنع التحرر والاستقلال للشعب الفلسطيني، لدرجة ان الولايات المتحدة على مدى الـ 70 سنة المنصرمة دعمت واستغلت واجهضت قرارات دولية لممارسات اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني عشرات المرات، وفي كل مرة تستعمل حق النقض – الفيتو في مجلس الامن، وهذا الشأن قد عزز من عدوانية اسرائيل تجاه جيرانها والتنكر لارتكاب المجازر تجاه الفلسطينيين وجاء اعتراف ترامب بأن القدس عاصمة دولة الاحتلال ونقل السفارة اليها لفرض واقع على الارض وشن الحرب على حق الفلسطينيين ليس بالقدس وانما بالتراب الفلسطيني نفسه.
منذ تبلور وعينا السياسي والفكري ونحن نواكب مراحل الصراع بين المعتدي حكام اسرائيل بدعم امريكي متكامل ومتواصل دون انقطاع، وبين المعتدى عليه ومسلوب الحقوق والوطن الشعب الفلسطيني، فقد ترسخت لدينا القناعة السياسية والفكرية، بأن دولة الاحتلال المزروعة في الشرق الاوسط ما هي الا بؤرة لقوى الحرب والعدوان الامريكية وباتت تشكل الولاية الواحدة والخمسين للولايات المتحدة باعتبارها القوة الضاربة في الشرق الاوسط لحماية الغرب والامريكيين في السيطرة بواسطة القوة على محاولات تدجين شعوب المنطقة العربية وحكامها في ابقاء الوضع العربي العام والشعب الفلسطيني، دون تحقيق طموحاته في الحرية والاستقلال وما يجري الآن من اعتراف امريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة ما هي الا مسمار في قبر حل الدولتين وتبديد الحلم الفلسطيني وقبره قبل ان يولد ويخرج إلى النور. فالمصالح الامريكية والصهيونية تلتقي مع الرجعية العربية وفي مقدمتها السعودية لايجاد حل للقضية الفلسطينية يكون في مركزها تذويب وتهميش واضاعة الحق الفلسطيني مرة والى الابد، هذا الحل او الطرح يلقى آذانا صاغية في عواصم ومحميات الخليج المتأمركة والمتصهينة والمتكالبة اكثر من السابق وراء الحلول الامريكية التي تجعل من حكام اسرائيل رسلا للحق والسلام والامن والتعاون في المنطقة، بينما عرب امريكا هم مجرد السوط والكرباج الذي تجلد بواسطة الامبريالية الامريكية وغيرها، كل ما لا يطيع السياسة والتلم الامريكي او يحاول الخروج من دائرة التدجين الاستعمارية ومحاولتهم فرض الاملاء الامريكي والتحكم بثروات وخيرات شعوب المنطقة، اما حكام اسرائيل فما هم الا نواطير على هذه الخيرات والمصالح ومن الطبيعي ان تبقي الولايات المتحدة على قوة اسرائيل إلى اقصى درجات القوة في البطش والقمع والتنكر لحقوق الآخرين في الاستمرار في انكار حقوق الشعب الفلسطيني في ارضه ووطنه ومحاولة مصادرة عاصمتها الابدية القدس.
في المستجدات والاحداث المتسارعة يبدو ان ترامب وادارته لن يخرجا من ورطة الاعتراف الا بمزيد من العزلة والعدوان والاستنكار للسياسة والتوجهات الامريكية احادية الجانب على الاستمرار في دعم سياسة الاحتلال والعدوانية لحكام اسرائيل، جاءت المنافسة والاعتراف في مرحلة مهمة بعد مرور عام واحد على دخوله "البيت الابيض" والانتقال من فشل إلى آخر فيما تشتد العزلة والاشمئزاز الدولي من سياسة ترامب حتى من اقرب حلفاء الولايات المتحدة وهم الاوروبيون، هذه السياسة والجو الخانق الذي تمر بها شعوب المنطقة والعالم في مرحلة ما بعد هزيمة داعش والمشروع الامريكي، لا بد من فرض شروط وسياسات جديدة وتشكل معادلات متجددة في جو الصراع الذي اصبح يحتدم اكثر فمجرد هيجان الشعوب والحكومات وفي خطوة غير مسبوقة استنكار شديد للسياسة الامريكية وتخلي امريكا عن دور الوسيط وهي لم تكن وسيطا نزيها في يوم من الايام، قد كشف القناع عن وجهة الادارة الامريكية المعادية للحقوق العربية والفلسطينية، واجب المجتمع الدولي الآن ممثلا باوروبا وروسيا والصين والعالم العربي والاسلامي والامم المتحدة ان يتبنوا استراتيجية حكيمة وعقلانية سواء كان في عزل امريكا كجزء من المشكلة وليس من الحل او ايجاد مخرج عادل لمشكلة ومشاكل المنطقة التي عقدتها السياسة والمبادرات الامريكية المنحازة لاسرائيل، والا ستغرق المنطقة وشعوبها في دوامة العنف والقتل والحروب إلى ما لا نهاية.
(كويكات – ابو سنان)