حق العودة أم حق التملُّك

single

اللاجئ فوزي محمود طنجي من الطنطورة المهجّرة نجا من المجزرة ويحلم بالعودة

 

*طرح برنامج حق التملك واعادة الاراضي والعقارات لاصحابها الشرعيين سوف يخسف الارض تحت اقدام الحجج الاسرائيليه المتسترة خلف خطر العودة وينهي النقاش حول التغييرات الديمغرافية واخطارها المزعومة*

 


صحافيون وسياسيون اسرائيليون يرددون "كلما دق الكوز بالجرّة" أن القيادة الفلسطينية غير قادرة او غير مستعدة لتوقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل مهما كانت "التنازلات" الاسرائيلية موجعة للاسرائيليين، ثم يتباهون بمقولة ابا ايبن وزير خارجية اسرائيل الأسبق ان الفلسطينيين "لا يفوتون فرصة لتفويت اي فرصة"، اي بمعنى ذنبهم على جنبهم. هذا مع العلم انه لا يمكن لاية قيادة فلسطينية سابقة كانت أم لاحقة ان تكون طرفا في اتفاقية تتجاهل حقوق اللاجئين، فالحلول الرمزية المطروحة مرفوضة والعودة الشكلية لبضعة آلاف مردودة.
من الناحية الاخرى نرى العالم الغربي متعاطفا لا بل متبنيا للموقف الاسرائيلي ضد العودة مقتنعا ان العودة هي اسم آخر او شكل آخر لدمار اسرائيل ولا مناص للفلسطينيين الا التنازل. اسرائيل تستغل الضعف الفلسطيني ازاء قضية العودة وتحمِّل شعبنا المسؤولية عن عدم التقدم في العملية السلمية، بيد انها تفضل الجمود الذي يتيح لها بناء وتوسيع المستوطنات سعيا من طرفها لتغيير الوضع الديمغرافي في الضفة الغربية لتبقي للفلسطينيين بضع كانتونات هشّة تفتقد للمقومات الاساسية للدولة. وهكذا، اضحى حلم العودة يتبخر ويزول شيئا فشيئا لاستحالة فرضه على الطرف الاسرائيلي ولصعوبة تسويقه حيث تؤخذ القرارات.
لماذا لا يزال الفلسطينيون متمسكين بالعودة؟ وهل من حل آخر غير العودة يحفظ كرامة اللاجئين من جهة ويقصر ليل الاحتلال من الجهة الاخرى، يعيد للاجئين حقوقهم وفي نفس الوقت يمكن تسويقه للعالم؟
من وجهة نظر القيادة الفلسطينية العودة المنشودة هي لدولة اسرائيل المستقلة والشرعية والمعترف بها فلسطينيا وعربيا، ومن المؤكد ان اسرائيل سوف تشرِّط على كل عائد ان يعترف بشرعيتها غير المشروطة وكيف لا؟ وبأي عذر ستتسلح القيادة الفلسطينية لمعارضة الطلب الاسرائيلي المحتوم؟ كيف لمن يسعى للسلام مع اسرائيل ان يضمر مسبقا زوالها ودمارها؟ وهل لمن يطلب العودة والمواطنة في اسرائيل غير ان يحترم قوانينها وحقها في الوجود لا بل الدفاع عنها في محنها؟
 تخيلوا العودة في ظل هذه الشروط، ها هو الحاج أمين يرسو بسفينته في ميناء حيفا يرتل صلوات ويململ دعوات بينما هو واقف ينتظر "اجهزة الامن والمخابرات" لاجراء الفحص الامني. وهذا جورج يخطو نحو مكتب "شرطة حرس الحدود" في مطار بن غوريون لاتمام ختم وثيقة سفره وتأشيرة دخوله لفيلا الشرق الاوسط. جبريل ينتظر الموظفة الاسرائيلية في معبر الشيخ حسين تحت الشمس اللافحة ريثما تنهي افطارها وتتفضل بفتح شباك الاستعلامات من مكتبها المكيف. خليل وخلف وحداد وسلامة جالسون في مقاعدهم المنتظمة في الـ"اولبان" لتعلم اللغة العبرية ولمسة من الثقافات الصهيونية. زرافات من العائدين تفحص "سل هكليطاه" بتمعن متسائلة عن كيفية تقديم الطلبات المناسبة للـ"بيطوح لئومي". آخرون جاهزون يحملون 3 صور باسبورت و-4 نماذج يرفرف عليها شعار الدولة وعلمها الازرق ينتظرون بفارغ الصبر والتأمل لقاء الهوية الزرقاء الغالية في مكاتب الداخلية. غدا سوف يرسلون أبناءهم للخدمة في الوحدات الخاصة كما يليق بنضالاتهم وبمواقفهم المعروفة، سوف ينتخبون ويُنتخبون للكنيست ويقسمون الولاء ومنهم من سيحاول سن قانون تعويضات لمتضرري النكبة ثم يقف دقيقة صمت او دقيقتين في ايام الذكرى بخشوع واحترام. لماذا لا وقد تحققت آمالهم واحلامهم برضى الدولة وحكامها؟ لماذا لا، وقد عادوا لبيوتهم؟ ملأوا الارض السلام والقلوب تغمرها الطمأنينة.
لا لعودة كهذه انتظر اللاجئون عقودا ولا لتلك المذلة اشرأبت الاعناق وصدحت الحناجر، فلا الهوية الزرقاء مطلبهم ولا المواطنة الاسرائيلية غايتهم. لا بد من ترتيب الاوراق من جديد وطرح برنامج بديل وان قضى بالعدول عن برنامج العودة. على الفلسطينيين ان يفحصوا طرحا يعتمد على الحقوق الاساسية للانسان في التملك وبناءً عليه يطالبون اسرائيل بارجاع الاراضي والعقارات المتروكة والمغتصبة لاصحابها اللاجئين وذريتهم اينما كانوا سواء داخل اسرائيل او في الضفة وغزة او في المهجر، وذلك دون الحاجة للعب في ملعب العودة والخطر الديموغرافي الذي "يهدد" مستقبل اسرائيل، فهذا هو الملعب المفضل على اسرائيل وبرامجها في تأبيد الاحتلال.
اليوم يستطيع كل انسان ان يمتلك عقارا في غالبية دول العالم دون ان يصبح مواطنا في تلك الدول ودون ان يفرض عليه قسم الولاء او اتقان اللغة المحلية وقواعدها. انظروا كيف استطاع اليهود استرجاع عقاراتهم في اوروبا بالاعتماد في بعض الاحيان على صورة فقط، وهكذا اضحت شوارع وحارات عواصم اوروبا ملكا لهم.
طرح برنامج حق التملك واعادة الاراضي والعقارات لاصحابها الشرعيين سوف يخسف الارض تحت اقدام الحجج الاسرائيليه المتسترة خلف خطر العودة وينهي النقاش حول التغييرات الديمغرافية واخطارها المزعومة. كما بوسع هذا الطرح ان يضع العالم الليبرالي الغربي في خانة الْيَكِّ فلا يترك له حجة او ذريعة لينكر على الفلسطينيين حق التملك المعترف به في شرعهم كحق انساني اساسي حصرا دون الشعوب والأمم. امَّا الفلسطينيون اللاجئون فلهم الهوية الفلسطينية وجواز السفر الفلسطيني يعيشون حياتهم في فلسطين او في العالم الكبير ولهم بيوتهم وعقاراتهم داخل اسرائيل يؤجرون او يبيعون وفق اراداتهم، ويبقى الامل ان تلم الوحدة، بفدرالية او بكونفدرالية، فلسطين واسرائيل بعد حين، عندها تفنى الحدود والحواجز.
ما رأيكم؟ هل تستطيع اسرائيل معارضة هذا الطرح وتسويق معارضتها له بسهولة كما فعلت ازاء طرح العودة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل انتهى شهر العسل بين الإخوان والنظام السوري؟

featured

العنصريون عابرون واللغة العربية باقية

featured

الحقائق الدامغة ضدّ التزييف في موضوع "التّواصل"

featured

140 عامًا على ميلاد القائد العظيم: لينين: التقديس، الإنكار، وشجرة الحياة

featured

شو بدّي أقول !!

featured

كفى .. بالثلاث !

featured

"رأي" حول ما جاء في برنامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة. مقابلة مع عبد الكريم النحلاوي قائد الانقلاب على الوحدة بين سوريا ومصر

featured

تناقضات اليمين تخرج للعلن