من قلب ينبض بمحبة وطننا سوريا وأمتنا العربية، أخط كلمات هذا المقال موجها فيه الانتقاد الشديد الى عبد الكريم النحلاوي العقيد سابقا في الجيش العربي السوري، حول ما تفوّه به من تبريرات لما اقدم عليه مع زملاء له في 28 ايلول عام 1961، ضد الوحدة التي كانت قائمة بين سوريا ومصر منذ 22 شباط 1958 والتي تحقيقها وقيامها شكل آنذاك حدثا عظيم الاهمية، بنى عليه العرب الاحرار والشرفاء آمالا كبيرة بان يكون المقدمة لانجازات وحدوية اخرى تلم شمل العرب طال الزمن او قصر، لتحقيق الوحدة العربية الشاملة، فتتغير موازين القوى ضد الاعداء والطامعين، وتفتح الابواب امام الامة العربية للتقدم الحضاري في جميع المجالات وصولا لأعلى المستويات، ولم يكن يخطر على البال عندما تحققت تلك الوحدة السورية المصرية، وجود أي مواطن عربي سوري يطاوعه ضميره وعقله على القيام بجريمة الانفصال وهدم الوحدة التي أيدها الشعب تأييدا تاما في الانتخابات التي جرت في القطرين واثمرت عن ولادة "الجمهورية العربية المتحدة"، وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا لها. فالرئيس المرحوم جمال عبد الناصر لم يكن رئيسا عاديا بل متميزا وجديرا بثقة الشعب به. فهو قائد الثورة التي اسقطت النظام الملكي الفاسد في مصر، وامّمت قناة السويس، وحققت جلاء البريطانيين عن الارض المصرية، واصدرت قوانين الاصلاح الزراعي التي حررت الفلاحين من الاقطاعيين واصدرت قوانين تأميم المصانع والبنوك التي أنصفت العمال والموظفين، والتي ايضا بنت السد العالي للاستفادة من نهر النيل في ارواء الاراضي وتوليد الكهرباء، واضافة لذلك شيدت العديد من المصانع التي كانت مصر محتاجة لها، وساندت ثوار الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي وساعدت اقطارا عربية اخرى لاستكمال جلاء البريطانيين عن قواعدهم العسكرية في تلك الاقطار كما ساندت ثورة اليمن ضد النظام الملكي الفاسد الذي كان في اليمن وناهضت حلف بغداد الذي كان يضم عددا من الدول وتتزعمه بريطانيا، وعارضت مشروع الرئيس الامريكي ايزنهاور الذي كان يهدف لتجنيد الدول العربية ضد الاتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الاشتراكية، ولافشال سياسة الحياد الايجابي التي كان الرئيس جمال عبد الناصر من اقطابها البارزين مع الزعيم الهندي نهرو والرئيس اليوغسلافي تيتو والرئيس الاندونيسي سوكارنو وآخرين غيرهم، وغير ذلك الكثير من الانجازات المفيدة والمشرفة لمصر وللعرب بشكل عام. فشكّل ذلك لدى شعبنا في سوريا احتراما وتقديرا كبيرين للقيادة المصرية وتثمينًا عاليا لاداء الرئيس جمال عبد الناصر وثقة كبيرة بمؤهلاته القيادية واخلاصه لمصالح امته العربية وقضاياها. فبادرت القيادة السورية بعرض رغبتها الوحدوية مع مصر، ولقي ذلك الاستجابة من القيادة والشعب في مصر. وقد افرح ذلك شعبنا في جميع انحاء سوريا ونزل الى الشوارع في العاصمة والمدن السورية يهزج للوحدة مع مصر والرئيس عبد الناصر ويطالب بالاسراع في انجاز الوحدة وتحقيقها ليس بدافع العاطفة العروبية الجياشة فقط، بل لادراكه اهميتها في تغيير موازين القوة ضد الاعداء والطامعين. واثمرت المفاوضات الرسمية الوحدوية واستفتاء الشعب في كل من سوريا ومصر عن ولادة الجمهورية العربية المتحدة وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا لها.
وفي حلقات برنامج" شاهد على العصر" الذي تذيعه محطة الجزيرة ويديره الاعلامي أحمد منصور تباهى عبد الكريم النحلاوي بما أقدم عليه من تآمر وتخطيط تسبب بانهيار تلك الوحدة وهدمها. وحاول ذر الرماد في العيون مستخفا بذاكرة وعقول مشاهدي البرنامج بادعائه بان الرئيس جمال عبد الناصرهو المسؤول عن انفكاك تلك الحدة والتسبب بالانفصال. لكنه أي النحلاوي سرعان ما فضح نفسه، حيث صب جام غضبه على القوانين الاشتراكية التي اصدرها الرئيس عبد الناصر وامم بها المصانع والبنوك، واعطى الفلاحين الاراضي وحررهم من استعباد الاقطاعيين لهم منذ قرون عديدة مضت. وتباهى النحلاوي بان الحكم الانفصالي الغى القوانين الاشتراكية واعاد الامور الى ما كانت عليه قبل الوحدة مع مصر. كذلك عاب النحلاوي على الرئيس عبد الناصر التدخل الذي قامت به مصر لصالح الثورة التي قامت في الدولة الشقيقة اليمن ضد النظام الملكي البدائي مضموما وشكلا، وتم التدخل المصري استجابة لطلب قادة تلك الثورة بتقديم المساعدة لها بعدما اصبحت مستهدفة من قوى رجعية مجاورة لليمن ومعادية لثورتها.
فياللاسف الشديد على حالاتنا العربية الراهنة التي تفسح المجال لهذا الانفصالي الرجعي بتضليل الجماهير ووضع السموم في زادها المعلوماتي والفكري. ان هذا مؤلم جدا و قد دفع بي لتناول هذا الموضوع في هذا المقال، من بلدتنا مجدل شمس العربية السورية المحتلة منذ الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على جيرانها في الخامس من حزيران عام 1967. وجريمة الانفصال التي خطط لها وقادها عبد الكريم النحلاوي خلقت اجواء سلبية في المنطقة شجعت حكام اسرائيل على ذلك وهيأت لهم الاجواء المناسبة، مما ساعدها على ما اقدمت عليه من حرب واحتلال وتوسع. أضف الى ذلك الخدمة التي قدمها الانفصال لصالح الاهداف الامبريالية في منطقة المشرق العربي، ولصالح الحكام الرجعيين الذين همهم الاكبر هو الحفاظ على مصالحهم الشخصية والطبقية الجائرة والمجحفة بحق الاكثرية من المواطنين أي العمال والفلاحين وجميع الكادحين والفقراء.
وفيما يتعلق بالاخطاء التي حصلت اثناء الوحدة واعتبرها النحلاوي مبررا لما قام به، فتلك الاخطاء الادارية التي ارتكبها ضباط وموظفون مصريون كانوا يعملون في "الاقليم الشمال- السوري" كان بالامكان اصلاحها وحتى لو احتاج ذلك لزمن ليس بقصير. وهي على كل حال اخطاء شخصية لا تبرر التآمر والانفصال الذي جاء لمصلحة الاعداء والجهات الرجعية الاقطاعية والرأسمالية في سوريا وفي المنطقة. فالمصلحة الوطنية والقومية تفرض تقديم الاهم على سواه من منافع شخصية وعدم التفريط بالوحدة بين سوريا ومصر المصدر الاهم للقوة التي نحن محتاجون لها لوضع حد لاطماع الاعداء. فحتى اجدادنا القدماء ادركوا ذلك ادراكا سليما فبفضل اتحاد سوريا الكبرى "بلاد الشام" مع الشقيقة الكبرى مصر تمكن اسلافنا العرب الاماجد من دحر الغزاة الاوروبيين الذين عُرفوا "بالصليبين" زورا وبهتانا، فأهل الصليب الحقيقيون ابرياء من الاطماع الاستعمارية ومن الاعتداء على الآخرين. كذلك بفضل اتحاد سوريا ومصر تمكن اجدادنا مرة اخرى من طرد الغزاة التتار والمغوليين من بلادنا. نعم بهذه الرؤية والذهنية يجب ان ننظر الى وحدة سوريا ومصر التي تحققت في عام 1958، وبدلا من شرعنة الانفصال يجب محاسبة الانفصاليين ليكونوا عبرة مفيدة للآخرين من ذوي الاطماع الشخصية والاهواء الفاسدة.
هذا ويجب ان لا نستثني من الانتقاد السيد أحمد منصور مقدم البرنامج، فقد تبين انه شخص موتور وغير محايد كما تتطلب مهنته الاعلامية، بل منحاز كل الانحياز للجهات الرجعية ذات المصالح المعادية للوحدة العربية وللقوانين الاشتراكية التي اصدرها الرئيس جمال عبد الناصر إنصافا للعمال والفلاحين والجماهير الكادحة والفقيرة.
نحن العرب امة واحدة ونتكلم لغة واحدة، ووطنا العربي الكبير ممتد ما بين الخليج العربي شرقا والمحيط الاطلسي غربا. وتجزئتنا الى اقطار عديدة تمت حسب مشيئة دول الاستعمار الاوروبي، واستمرار التجزئة يخدم مصالحهم والمصالح الصهيونية التوسعية المجهضة لمطلب السلام العادل وكل من يشرعن جريمة الانفصال كما فعل عبد الكريم النحلاوي، فهو يخدم عن قصد او عن غير قصد مصالح الاعداء.
وها هم الاوروبيون رغم انهم ليسوا مثلنا نحن العرب امة واحدة، بل هم ينتمون لعدد من القوميات ولا يتكلمون لغة واحدة مثلنا نحن العرب، بل لكل قومية منهم لغة خاصة. مع ذلك تبنوا الاتحاد السياسي الاوروبي لان في ذلك مصلحة كبيرة لهم وسلوكيات حكامهم لا يمكن خلوّها من الاخطاء ومع ذلك لم يتآمر احد منهم على مشروع الاتحاد الاوروبي. فيا للعجب فيما يتم على ساحتنا العربية ضد المصالح العربية الهامة ولا يلقى ما يستحقه من عقاب فيه عبرة رادعة لكل المتآمرين الذين يسيئون لمصلحة شعبهم وبلادهم وامتهم.
إسمح لي يا اخي القارئ بهذا السؤال، بماذا يختلف المواطن العربي الذي يطاوعه عقله وضميره وقلبه على التآمر ضد الوحدة التي كانت تجمع بين سوريا ومصر كدولة واحدة هي "الجمهورية العربية المتحدة" التي تأسست في عام 1958 لتكون حصنا تتحطم على جدرانه الاطماع التوسعية للاعداء ولامتلاك القوة القادرة على تغيير الموازين واسترداد الحقوق، وكذلك لتكون الخطوة الاولى على طريق الوحدة العربية الشاملة. خاصة وان تلك الوحدة تحققت بعد مباحثات وانتخابات وتأييد جماهيري في القطرين السوري والمصري، ولاقت الترحيب والابتهاج الواسع من الجماهير في الاقطار العربية جميعها. فبماذا يختلف كل من يتآمر عليها، عن الجواسيس الذين يخدمون مصلحة الاعداء. وهل الجاسوس "كوهين" الذي تسلل الى سوريا ليخدم مصلحة دولته اسرائيل استطاع قبل انكشافه ان يقدم لدولته خدمة موازية للخدمة التي قدمها لها الانفصاليون وعلى رأسهم عبد الكريم النحلاوي الذي خطط ودبر مؤامرة الانفصال، ومع ذلك ظهر في البرنامج التلفزيوني المذكور غير آبهٍ بذنبه الكبير والخطير.
فهل يمكن يا عبد الكريم النحلاوي خلوّ كل مشروع هام وعظيم من ظهور اخطاء في تطبيقاته وفي نهج مسيرة العاملين فيه. طبعا لا يمكن ذلك. لكن بالامكان اصلاح الاخطاء سواء طال الزمن او قصر. وهذا لا يتم بالتآمر بل بالمعالجة مع النوايا الحسنة والايجابية والبريئة وتجنب الإساءة للمشروع او الاضرار به. نعم ليس بالتآمر وهدم المشروع تزال الاخطاء، خاصة عندما يكون المشروع عظيم الاهمية وليس من الاملاك الخاصة لفئة من المواطنين. بل هو ملكية عامة للشعب وللامة، كما هو مشروع الوحدة بين سوريا ومصر الذي تم هدمه بأيدي زمرة الضباط الانفصاليين بقيادة عبد الكريم النحلاوي. وصب ذلك في مصلحة الاعداء من الاجانب ولصالح الأسر الاقطاعية والرأسمالية في المدن والريف السوري، وضد مصلحة العمال والفلاحين وجميع الفئات الكادحة والفقيرة الذين يشكلون الغالبية الساحقة من الشعب.
(مجدل شمس- الجولان العربي السوري المحتل)
