كنا قد وصلنا للتو من رحلة مرهقة الى المنطقة الجنوبية، شملت بئر السبع وايلات وما بينهما من مواقع طبيعية وسكانية. فماذا كان حداد بلدنا يفعل ساعتها، لو انه شاهد على شاشة التلفاز الاسرائيلي العربية، ما شاهدته في الساعة العاشرة والثلث من مساء يوم الاثنين الفائت، الثالث والعشرين من نيسان الجاري؟ وهل قرر ان يموت قبل هذا التاريخ بكثير ولسان حاله يقول "ما كنت اوثر ان يمتد بي زمني...."؟ لقد فجر الحداد، كما تقول الرواية، اية كريمة في وجه بدوي مسكين، لمجرد توجيه سؤال يتعلق بالبدو من الناحية الدينية.
لقد لفت النظر في رحلتنا المذكورة، تلك القرى المتناثرة في ألأمداء الواسعة الممتدة على مدى البصر. وكل اهلها من القبائل البدوية، التي لم يشملها الطرد خارج الحدود، بل اكتفى المسؤولون بالتهجير الداخلي. وكلهم يحملون بطاقة الهوية الاسرائيلية. لكن معظم قراهم، اما غير معترف بوجودها، واما هي على حافة الاعتراف المشروط! هل سمعتم بمواطني "البدون" في الكويت؟ لكن الامارة غير ديمقراطية، ولا تحل مقارنتها "بواحتنا" الديمقراطية!
شاهدنا بأم العين وبأم الاذن، ما يتمتع به اولئك المواطنون من خدمات لا تقدم منها الدولة شيئاً.
قارنا بين قرية بير هداج وبين عين ياهف، الملاصقة للحدود الاردنية، والتي استاجرت من المملكة، مكثورة الخير، بعض الارض لاستغلالها في زراعتها المتطورة والمتنوعة والمهيتكة، فكادت المقارنة تكون لصالح الاولى! فعدد السكان في هذه القرية العربية البدوية – كما اكد لنا شاب من اهلها، اطلعنا على اوضاعها – خمسة الاف نسمة. في حين يبلغ عدد سكان عين ياهف مع المستوطنات الاربع المجاورة لها، خمس مئة عائلة، كما شرحت لنا سيدة رافقتنا في جولة ميدانية. ولك ان تضرب - بالمعنى الحسابي لا العنفي – العائلة اليهودية باربعة او خمسة، ليكون سكان المستوطنات الخمس جميعا – اقل من نصف سكان بير هداج وحدها.
*لا يمكن حجب الشمس*
وفي بير هداج هذه، لا يتحملون "جميلة " الدولة. فالشمس عندهم شديدة السطوع. ومنها يستمدون بعض الطاقة المجانية اليومية. حتى الان لم يبتكر العقل الا سرائيلي الرسمي، جهازا يحجب اشعة الشمس عن هؤلاء. لكنهم قد لا يتورعون عن ابتكار قانون برلماني يتيح لقوات الامن والشرطة، تفكيك تلك الالواح عن السطوح. ويمكن تبرير ذلك بالحرص على حماية اطفال البدو من اثار الشمس المدمرة! الم يعمدوا بالامس الى هدم قرية العراقيب للمرة السابعة والثلاثين بغطاء قانوني ديمقراطي!!
وتنقل المياه الى بير هداج، انابيب بلاستيك سوداء، قطرها كقطر اصبع طفل، تمتد فوق الارض مكشوفة، غير هيابة من لفح الصحراء ولا من لسع بردها ! ولكم ان تتصوروا شكلها وخواصها حين تصبها الحنفيات في بيوت الصفيح. ولكم ان تتخيلوا كذلك مدرسة بير هداج ومسارحها وملاعبها وحدائقها العامة وشوارعها ذات المسارات المتعددة. بحيث ينبغي ان يعلق السكان هناك خرزة زرقاء، تحميهم من عين حاسدة من من هرتسليا!
نعود للحدّاد.
عاش في بلدنا قبل جيلين ثلاثة، وكان خفيف الظل، حاضر البديهة، لطيف المعشر. اعتبر الناس مجالسته متعة ما بعدها متعة، لكن حظ ذلك البدوي الذي قصده ذات يوم طلباً لخدمة ما (ربما تلحيم زنبوعة ابريق تنك.....) كان سيئاً. اذ كان مزاج الحداد معكراً لسبب ما.
سأله البدوي ما اذا كان ثمة نصيب في القرآن الكريم.
فاجاب الحداد بالايجاب. وتلا على مسامع البدوي تلك الآية التي تقدح في الاعراب. دهش البدوي وتساءل: وهل نحن المقصودون في الآية الكريمة؟ صدمه الحداد بقوله : يا ريت! واضاف : المقصودون هم اجدادك القدامى الذين عايشوا الرسول العربي، والذين كانت قلامة ظفر احدهم اشرف من رؤوس الذين خلفوك!
كظم البدوي غيظه، لكن الاسئلة التي تراود خواطرنا في هذه الايام كثيرة وملحة: هل الاعراب هم البدو؟ وهل الذين شوهدوا مساء الاثنين الماضي على شاشة التلفزيون الاسرائيلي، وهم يخبطون الارض بأقدامهم مؤدين التحية العسكرية لقادتهم، بمناسبة ترقيتهم عشية عيد الاستقلال، مكافأة لهم على ما يقدمونه للدولة من خدمات، خاصة في مجال اقتفاء الاثر، هل هؤلاء يمثلون البدو؟ ام هم قلة هامشية لا تتعدى الواحد في المئة من تعداد البدو، كما اكد لنا ذلك الشاب من بير هداج؟؟
وهل تخلو فئات شعبنا وطوائفه عامة، من مثل هذه القلة، المستعدة للتنازل عن كل ما يتعلق بالارض والكرامة وحق العيش، مقابل "شحطة" على الكتف، وفسيمة بناء لا تتعدى مساحتها نصف الدونم؟!
اظن، وليس كل ظن اثماً، ان قطاعات شعبنا عامة "في الهوا سوا" ربما مع بعض التفاوت في النسبة والعدد. واظن، وليس كل ظن اثماً، ان حدادنا خفيف الظل، لو كان ما زال على قيد الحياة، كان سيستجمع كل ما في فيه من لعاب، لا ليبل ريقه، ولا ليبرد قطعة حديد حامية، بل ليضيف الى الوان الشاشة الصغيرة، لوناً اخر بلون البصاق...
*شيفرا*
تضامنا قبل سنوات مع اصحاب بيت، رفعوا على سطحه علم الدولة، لكن العلم لم يستطع منع الدولة من هدم البيت، بعد ان قام اصحاب البيت بطي العلم وانزاله لئلا يلوثه الغبار...
