ثمانون عاماً أو تجاوزتها بقليل، وغطّى رأسها البياض الذي تحول لإكليل ورد أبيض لصاحبة المكان والزمان. انها الثقافة والابداع والحيوية والحرية المتدفقة، انها العنوان ضد التمييز والقهر بكافة أشكاله، فنضالها ضد اضطهاد المرأة أدخلها واعيةً ضد كل مظاهر التمييز الطبقي والاجتماعي، انها الشجاعة التي وقفت في وجه رموز الفساد والظلام في آن .
نوال السعداوي، المناضلة المصرية التي جاءت من أرياف مصر وعمق آهات الفقراء، عنيدة في اصرارها، انسانية في حضورها وثقافتها وتصديها لأعداء الحرية ..
فواجهت دون خوف أصنام الفكر السلفي والتخلف والرجعية، وصمدت في وجههم رغم التحريض القاسي عليها والذي وصل في كثير من الاحيان لحد الدعوة الى تطليقها من زوجها، وتكفيرها، كما انها لوحقت واعتقلت وهددت حياتها ..
نوال السعداوي، الطبيبة، والكاتبة، والمناضلة، والأم، والمحاضرة الجامعية والمصلحة الاجتماعية والمثقفة البارزة، أضفت بحضورها المميز على ميدان التحرير طابعاً مميزاً وزخماً عالياً وخاصاً لإرادة الشباب والفقراء والكادحات، فهي امرأة فعلٍ قبل أن تكون مثقفة شعارات .. هي شجاعة محرضة، ضد كل مظاهر الاستبداد .
رجاها الكثيرون ان تغادر المكان خوفاً على حياتها فرفضت، وبقيت رغم التهديدات المبطنة والعلنية، ومحاولة الاعتداء عليها من بلطجية النظام في موقعة الجمل، ورغم البرد القارس، ورغم صعوبة العيش لإمرأة مسنة في عمرها، عاشت وما تزال التجربة بكل ابعادها، فهي الشابة بروحها ودفء فكرها، فأعطاها العزيمة والاصرار والتحدي فزادت من تحفيز الآخرين.
كنا نراها تتنقل بين جموع المتظاهرين والمعتصمين تشد من ازرهم، وتحفزهم على كسر قيود القهر والذل والاستغلال والظلام .. هي شعلة اضاءت لمن حولها الطريق وفتحت رغم كل المصاعب الابواب الموصدة امام الطامحين والطامحات للحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية .
فمن فلسطين تحية، لمناضلة تربينا على فكرها وثقافتها وشموخها منذ ان كنا في المدارس صغارا وصغيرات، قبل ان تنطلق ورشات الممولين بالأجندات غير المفهومة حول حرية المرأة ومكانتها الاجتماعية، والتي صرف عليها ملايين الدولارات، في حين كانت هي ما ان تصدر كتابا ويرى النور حتى تتلقفه النساء في كل مكان، ليشبع نقاشاً وحواراً وتفكيراً، فكانت منارة مبكرة لكل المضطهدات، فحركت المياه الساكنة وأجرت فيها الحياة..
نوال السعداوي، نتوجه اليك بإعجاب كبير، وباحترام وتقدير لمسيرتك التنويرية، فأنت شجاعة حقاً، حين جبن الكثيرون .. وظهر الانتهازيون والملونون !
* عضو اللجنة المركزية حزب الشعب الفلسطيني
