ألحـريـة الحـقـيـقـيـة والحـريـة الـزائـفـة

single

* ألحرية الزائفة هي "حرية" مشروطة بأحداث معينة في عالم الإنسان الخارجي ولا تنبع من داخله

* ألحرية الحقيقية هي عدم التفاعل مع الأفكار المؤذية

    ما هي الحريّة بالنسبة لك؟ هل تعتبر نفسك إنسانًا حرًّا؟ هل تتوق إلى هذا اليوم الذي لا يستطيع فيه أحد أن يسلب منك حريتك مهما كانت الظروف؟
     منذ نشأة الحضارة البشرية وهذه التساؤلات عن الحرية تشغل بال العديد من الناس من أدباء وفلاسفة وملوك وعمّال ومواطنين عاديّين، أو حتى صِبية يلعبون في الشارع، وغيرهم. تعدَّدت وِجهات النظر حول المعيار الدقيق لتحديد من هو الإنسان الحُرّ(؟)، وأحيانًا يختلف فهم ذلك من عصر لآخر أو من حضارة لأخرى.
    من تجربتي الشخصية ومن مطالعاتي الذاتية للعديد من المحاولات المختلفة لإدراك جـوهـر الحرية على الصعيدين النظري والعملي، فإني أتوخـى من هذا المقال عرض نظرة خاصة (وربما جديدة) تمكننا، في اعتقادي، من كيفية أن نعيش حياة هادئة وأكثر استقرارًا، وأن لا نكون عبيدًا للمتغيّرات التي تحدث في الواقع باستمرار. ما أودّ إيصاله لك، عزيزي القارئ، أنّ  خلاصك الحقيقيّ، في رأيي، لا علاقة له بوضعك الخارجي (كرصيدك في البنك، مثلا، أو أنك عازب أم متزوج، معافًى أم مُقْعَد، مثقَّف أم أمّي، أو مركزك الإجتماعي، أو مكان سُكناك، .. إلخ)، وإنّما يرتبط مباشرة  بوضعك النفسيّ في تلك اللحظة وفي مقدرتك على تقبُّل ما يحدث لك. أنْ تكون إنسانا حرّا معناه أن تتحرر من الأفكار السلبية وأن تـُحقّـّق هدوء النفس في داخلك. هذا هو المقياس الذي يحدِّد إن كنت حرّا أم لا .
    ألكثيرون منا تربوا منذ الصغر أنه يتوجب عليهم أن يفعلوا شيئا ما أو أن يكونوا متواجدين في مكان ما أو مع شخص ما لكي يكونوا أحرارا. لكن قـِس ذلك على نفسك، فإذا كان عليك أوّلا أن تحقّـّق هذا الشيء خارجك من أجل أن تكون حرّا، فهذا معناه أنّ هذا الشيء هو الذي سيحدِّد مصيرك، وما عليك إلا أن تتقيّد وتتمسّك به كحاجة مُلحّة لتحافظ على حريّتك. هنا هي المُغالطة أو التناقض. إن كان هناك شيء ما يحدِّد مصيرك وما عليك إلا التقيـّد به، أفليس هذا يعني أنّه سيّدك وأنت عبده. وإن كنت عبدا فأنت ليس حرّا. أجل، إن "الحرية" التي تنبع من أي مصدر خارجك، ليست هي الحرية الحقيقية، وإنها ستناقض نفسها بالتأكيد وتصبح قيدًا يلازمك دائمًا كما الأسير يجُرّ السلاسل الثقيلة برجله. هذا ما أدعوه بالحريّة الزائفة، وفي أحسن الحالات هي حرية جزئية وليست كاملة.
    بالإضافة إلى ذلك، إذا حصلتَ على ذلك الشيء الذي سيحقّـّق لك "مُنيتـك" فهو لن يدوم إلى الأبد، ذلك لأن كل شيء في عالم المادة مصيره إلى الفناء، وأنت لن تكتفي به وسترغب بالمزيد إن عاجلا أم آجلا ( إذا لم تقتنع أنك عندما تحصل على ما تريد، فلن يكون باستطاعتك التـوقـّف عند هذا الحد، فما عليك سوى أن تحصل عليه ثم راقب بعد ذلك ما يحدث لك، أو راقب ما يحدث للآخـريـن الذين فعلوا ذلك لأنفسهم). زِد على ذلك أنك قد تُعاني أحيانا لتبلغ ما تسعى إليه أو أنك لن تبلغه مطلقا.
    هناك بالتأكيد أشخاص قابعون في السجون، وأشخاص مُقعدون، وآخرون موجودون في أدنى مستويات الفقر، إلا أنهم سـلّـموا بالواقع كما هو، وهم الآن مستـقـرّون نفسيًا وأحرار (وربما أيضا سُعداء). إذا لم تسمح لأفكارك في جعلك تؤمن أنك في وضع سيّئ الآن أو محدود الحرية، فأنت فعلا حر حتى لو كنت راقدا في السجن، وإن سمحت لها بذلك فأنت لست حرا حتى لو كنت حينها في الجنّة. نحن (أو أغلبنا) نحاول دائما أن نجد حريتنا في مكان ما يقع خارجنا في حين أنها متواجدة داخلنا كل الوقت، وليست هناك حاجة حتى لبذل أقـلّ جُهد من أجل تحقيقها.

    إليك بعض الأمثلة من واقع الحياة لما نفعله بأنفسنا:

1. لنفرض أنك شخص لا يحب عمله وأنك مُستاء من بعض زملائك في العمل، وطلبت من رئيسك المشرف على عملك إجازة لمدة أسبوعين. في أحسن الحالات سيوافِق لك ذلك، ولعلك تتمتـّع فعلا في هذه المدّة القصيرة نسبيًا، حيث يتراءى لك أنك حُر الآن. لكن سرعان ما تنتهي هذه الإجازة وتعود أنت إلى نفس "الموّال" القديم حيث نفس جوّ العمل ونفس الرئيس ونفس الزملاء. هل أنت حر إذًا؟! الحرية ليست قطعة حلوى لذيذة تتمتع في أكلها لبضع لحظات وسرعان ما تنتهي. جِد الأساس الذي لا يتزعزع حيث تبقى حريتك مستقرّة فيه، وذلك بأن تقبل الواقع كما هو وأن تتخـلـّص من الأفكار الواهمة التي تحاول إقناعك أنّ وضعـك الراهن (مكان عملك في هذه الحالة) هو سبب عذابك أو سبب تقييد حريتك. إذا استطعتَ أن تـتـقـبـّل ما يحدث لك في العمل بهدوء دون تـذمّر أو عصبيّة (وليس معنى ذلك أن تستسلم ولا تحاول حلّ بعض القضايا الجوهرية)، فمعنى ذلك أنك حُرّ بغضّ النظر عن "سوء" الحالة في الخارج. كذلك، عندما تكون مستقرّا من الداخل وهادئ البال ستزيد فرصتك في تحسين علاقاتك في مكان العمل كثيـرًا، وربما سيصبح العمل ممتعا أو أنك ستنجح في إيجاد عمل أفضل، وإذا وجدتَ أنه خيرٌ لك أن تبقى سعيدا بدون عمل من أن "تتمرمر" في عملك من أجل بعض النقود فلك ذلك. لكن، حتى إن لم يحدث أي تغيير خارجي، تكون على الأقـل حُرًا من الداخل ولا تعاني.

2. لنفرض أنك تنتظر في دورك في صف طويل في البنك وتلعن الساعة التي أرغمتك أن تكون هناك، وتتساءل متى ستصل إلى موظف البنك و"تخلص". مرّة أخرى، لا تبحث عن الحرية عند موظف البنك فأنت حرّ الآن (إذا كنت فعلا تعرف ذلك). ثم لا تنس أنك ستعود إلى البنك مرارا وتكرارا.

3. أحيانًا تكون الحريّة غير ملموسة وتأخذ شكلا معنويا. مثلا: عندما تـبـدي برأيـك لصديـقـك في شأن ما وتحاول جاهدا إقناعه بصواب رأيـك، ربما لا يخطر في بالك أن في محاولة الإقناع هذه قد يكون هناك ما يتربص بحريتك ويبغي الحـدّ منها. كما ذكرتُ سابـقـًا، تكون حريتك مـُقيـّدَة إذا كنتَ تحاول أن تكون في حالٍ أفضل كنتيجة لحدث معين، وفي هذا المثال الخاص أنت تحاول أن تكون في حالٍ أفضل كنتيجة لموافقة صديقك على وجهة نظرك. على وجه الدِّقّة، ليست عملية إقناع زميلك في وجهة نظرك (طالما تفعلها ببساطة ودون قلق) هي التي تحدّ من حريتك، لكنك إن كنت تشعر أنه من الضروري أن تجعل صديقك يفهم أنك على حقّ وعليك أن تُجاهـد  من أجل ذلك الغرض، فإن ذلك سيعني بصورة غير مباشرة أن صديـقـك هذا – خاصة إذا لم يتجاوب معك -  أصبح يسيطر على تفكيرك ويقلق راحتك النفسية ويزيدك توتـّرًا، الأمر الذي يحد من حريتك.

    لإزالة أي سوء فهم، فأنا لا أدعوك، عزيزي القارئ، ألاّ تـتـمتـّع من مسرات الحياة، وأن لا تسعى إلى تحقيق أحلامك، ولا أحاول فرض وجهة نظري عليك، فـ "كل واحد بينام عالجنب اللي بيرَيْحُه". أنا فقط أحاول إقناعك بأن راحتـك النفسية وهدوءك الداخلي هما شرطان أوليان وضروريان لكل حياة سعيدة، وبعد ذلك فقط باستطاعتك أن  تتفرّغ إلى الأمور الحياتية الأخـرى، كالزواج وكسب المال، والتنزه والسفر وغير ذلك. فإذا اقتنعت من رسالتي وأردتَ تطبيق ذلك على أرض الواقع، فكلّ ما عليك هو أن تضع "اسـتـقـرارك الـنـفـسيّ" في رأس سـُلـّم أولوياتـك في الحياة، وبعدها سترى بأُم عينك كيف تسلك الأمور معك بسهولة غير معهودة. من المتوقـّع أن لا ترى نتائج من أول محاولة لك، لأن أي تغيير جذري في مبنى حياتك قـد يتطلب وقـتا طويلا، لكن عاجلا أم آجلا سترى بالتأكيد الفرق الشديد في سير الأحداث معك قياسـًا بالماضي، وسترى نفسك حُرّا في حياة سعيدة.

 


(عسفيا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لسنا بحاجة... بل بحاجة...

featured

"مصائب قوم عند قوم فوائد"!

featured

على هامش مبادرة الجنرالات العسكريين والنخب الاسرائيلية

featured

"عاش البلد مات البلد"

featured

الجبهة تناديكم فاستجيبوا للنداء

featured

الجَميلُ والأجْمَلُ!

featured

رسالة مفتوحة إلى دوريت بينيش

featured

أُنوفٌ وأنَفَةٌ